نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣١٦ - ترجمة ابن أبي عامر المنصور (عن المطمح)
الأكابر ، فإنه قاومهم بأضدادهم ، واستكثر من أعدادهم ، حتى تغلّبوا على الجمهور ، وسلبوا عنهم الظهور ، ووثبوا عليهم الوثوب المشهور ، الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا ، وملأها وحشا وذئابا ، وأعراها عن الأمان ، برهة من الزمان ، وعلى هذه الهيئة فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد الأندلس ، وحدّ السرور بها والتأنّس ، وغزواته فيها شائعة الأثر ، رائعة كالسيف ذي الأثر ، وحسبه وافر ، ونسبه معافر ، ولذا قال يفتخر :
رميت بنفسي ....
الأبيات ، وزاد هنا بعد قوله «أبيض باتر» بيتا ، وهو : [الطويل]
| وإني لزجّاء الجيوش إلى الوغى | أسود تلاقيها أسود خوادر [١] |
وكانت أمّه تميمية ، فحاز الشرف بطرفيه ، والتفّ بمطرفيه ، ولذا قال القسطلّي فيه [٢] : [الطويل]
| تلاقت عليه من تميم ويعرب | شموس تلالا في العلا وبدور | |
| من الحميريّين الذين أكفّهم | سحائب تهمي بالنّدى وبحور |
وتصرّف قبل ولايته في شتى الولايات ، وجاء من التحدّث بمنتهى أمره بآيات ، حتى صحّ زجره ، وجاء بصبحه فجره ، تؤثر عنه في ذلك أخبار ، فيها عجب واعتبار ، وكان أديبا محسنا ، وعالما متفنّنا ، فمن ذلك قوله يمنّي نفسه بملك مصر والحجاز ، ويستدعي صدور تلك الأعجاز : [الخفيف]
| منع العين أن تذوق المناما | حبّها أن ترى الصّفا والمقاما | |
| لي ديون بالشّرق عند أناس | قد أحلّوا بالمشعرين الحراما | |
| إن قضوها نالوا الأماني ، وإلّا | جعلوا دونها رقابا وهاما | |
| عن قريب ترى خيول هشام | يبلغ النّيل خطوها والشآما |
انتهى ما نقله من المطمح.
[١] الزجّاء : الشديد السوق. والوغى : الحرب. والخوادر : جمع خادر ، وهو الأسد في عرينه.
[٢] القسطلي : أبو عمر أحمد بن محمد بن العاصي بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن دراج الأندلسي القسطلي ، الشاعر الكاتب. كان كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره ، وهو من الشعراء المجيدين والعلماء المقدمين (انظر وفيات الأعيان ١ / ١٣٥ ، وانظر ديوان الشاعر صفحة ٣٠١).