نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٩٦ - رجع لأخبار الناصر لدين الله
وممّا ينسب للناصر من الشعر ، وقيل : لابنه الحكم ، قوله [١]: [مخلع البسيط]
| ما كلّ شيء فقدت إلّا | عوّضني الله عنه شيّا | |
| إني إذا ما منعت خيري | تباعد الخير من يديّا | |
| من كان لي نعمة عليه | فإنّها نعمة عليّا |
وممّا زيّن الله به دولة الناصر وزراؤه الذين من جملتهم ابن شهيد ، قال في المطمح : أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد [٢] ، مفخر الإمامة ، وزهر تلك الكمامة ، وصاحب [٣] الناصر عبد الرحمن ، وحامل الوزارتين على سموّها في ذلك الزمان ، استقلّ بالوزارة على ثقلها ، وتصرّف فيها كيف شاء على حدّ نظرها والتفات مقلها ، فظهر على أولئك الوزراء ، واشتهر مع كثرة النظراء ، وكانت إمارة عبد الرحمن أسعد إمارة ، بعد عنها كلّ نفس بالسّوء أمّارة ، فلم يطرقها صرف ، ولم يرمقها محذور بطرف ، فقرع الناس فيها هضاب الأمانيّ ورباها ، ورتعت ظباؤها في ظلال ظباها ، وهو أسد على براثنه رابض ، وبطل أبدا على قائم سيفه قابض ، يروع الروم طيفه ، ويجوس خلال تلك الديار خوفه ، ويروى بل يحسم كلّ آونة سيفه ، وابن شهيد ينتج الآراء ويلقحها ، وينقد تلك الأنحاء وينقحها ، والدولة مشتملة بغنائه ، متجمّلة بسنائه ، وكرمه منتشر على الآمال ، ويكسو الأولياء بذلك الإجمال [٤] ، وكان له أدب تزخر [٥] لججه ، وتبهر حججه ، وشعره رقيق لا ينقد ، ويكاد من اللطافة يعقد ، فمن ذلك قوله : [الطويل]
| ترى البدر منها طالعا فكأنّما | يجول وشاحاها على لؤلؤ رطب | |
| بعيدة مهوى القرط مخطفة الحشا | ومفعمة الخلخال مفعمة القلب | |
| من اللّاء لم يرحلن فوق رواحل | ولا سرن يوما في ركاب ولا ركب | |
| ولا أبرزتهنّ المدام لنشوة | وشدو كما تشدو القيان على الشّرب [٦] |
[١] المغرب ج ١ ص ١٧٩.
[٢] ابن شهيد : هو أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شهيد ، من بني الوضاح ، من أشجع ، من قيس عيلان ، أبو عامر الأشجعي ، وزير من كبار الأندلسيين أدبا وعلما. مولده ووفاته بقرطبة. له شعر جيد يهزل فيه ويجدّ ، وتصانيف بديعة منها : التوابع والزوابع ، توفي سنة ٤٢٦ ه (الأعلام ١ : ١٥٧).
[٣] في ب : وحاجب.
[٤] الإجمال : الإحسان.
[٥] تزخر لججه : تتلاطم أمواجه ، شبه الأدب بالبحر.
[٦] الشّرب : بفتح الشين وسكون الراء ـ الجماعة الشاربون.