نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٥ - هشام بن عبد الرحمن الداخل
أبوه : فما الحدث المقلق؟ فأعلمه ، فأمر بحمل الدّية عنه وعن عشيرته من بيت المال ، فسرّ هشام وأطنب في الشكر ، وكتب الأمير إلى ولده سليمان في ترك التعرّض لهذا الكناني لما لم يدر في خلده [١]. ولمّا دخل الكناني لوداع هشام قال له : يا سيدي ، قد تجاوزت بك حدّ الأمنية ، وبلغت غاية النصر ، وقد أغنى الله عن العقد المبذول بين يدي العناية الكريمة ، فتعيده إلى صاحبته ، فأبى من ذلك ، وقال : لا سبيل إلى رجوعه إلينا.
وكان هشام يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز ، وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى الكور فيسألون الناس عن سير عمّاله ، ويخبرونه بحقائقها ، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه وأنصف منه ، ولم يستعمله بعد.
ولمّا وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس قال : نسأل الله تعالى أن يزيّن موسمنا بمثل هذا [٢].
وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة ، واشترط على المعاهدين من أهل جلّيقية من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور أربونة المفتتحة يحملونها إلى باب قصره بقرطبة ، وبنى منه المسجد الذي قدّام باب الجنان ، وفضلت منه فضلة بقيت مكوّمة.
وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروبا ، ثم كانت الدائرة له.
وقصد إلى بلاد الحرب غازيا ، وقصد ألبة [٣] والقلاع ، فلقي العدوّ وظفر بهم ، وفتح الله عليه سنة خمس وسبعين. وبعث العساكر إلى جلّيقية مع يوسف بن نجية [٤] ، فلقي ملكها ابن منده [٥] ، وهزمه ، وأثخن في العدوّ.
وفي سنة ست وسبعين بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدوّ ، فبلغ ألبة والقلاع ، فأثخن في نواحيها ، ثم بعثه في العساكر سنة سبع وسبعين إلى أربونة وجريدة [٦] فأثخن فيها ، ووطئ أرض برطانية ، وتوغّل عبد الملك في بلاد الكفّار وهزمهم ، ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع سنة ثمان وسبعين ، ومع أخيه
[١] لما لم يدر في خلده : ساقطة في ب.
[٢] في ب : ليت أن الله تعالى زين ....
[٣] ألبة : لم أجد ألبة في صفة جزيرة الأندلس ولا في معجم البلدان وإنما وجدت «أولية السهلة» في (صفة جزيرة الأندلس ص ٣٤).
[٤] في ب : يوسف بن نجت.
[٥] في ب : برمند.
[٦] في ب : جرندة.