نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٣٠ - غنائم الأندلس ، والحديث عن مائدة سليمان
وعن يحيى بن سعيد : لمّا افتتحت الأندلس أصاب الناس فيها غنائم ، فغلّوا منها غلولا كثيرا حملوه في المراكب وركبوا البحر ، فسمعوا مناديا يقول : الله مغرّق بهم ، وتقلّدوا المصاحف ، فما نشبوا [١] أن أصابتهم ريح عاصف ، وضربت المراكب بعضها بعضا حتى تكسّرت ، وغرق بهم. وأهل مصر ينكرون ذلك ، ويقولون : أهل الأندلس ليس هم الذين غرقوا ، وإنما هم أهل سردانية [٢] ، فالله أعلم بحقيقة الحال.
ورأيت في بعض كتب التاريخ أنه وجد في طليطلة حين فتحت من الذخائر والأموال ما لا يحصى ، فمن ذلك مائة وسبعون تاجا من الذهب الأحمر مرصّعة بالدّرّ وأصناف الحجارة الثمينة ، ووجد فيها ألف سيف ملوكي ، ووجد فيها من الدّرّ والياقوت أكيال ، ومن أواني الذهب والفضة ما لا يحيط به وصف ، ومائدة سليمان ، وكانت ـ فيما يذكر ـ من زمرّدة خضراء ، وزعم بعض العجم أنها لم تكن لسليمان ، وإنّما أصلها أن العجم أيام ملكهم كان أهل الحسنة في دينهم إذا مات أحد منهم أوصى بمال للكنائس ، فإذا اجتمع عندهم مال له قدر صاغوا منه الآلة من الموائد العجيبة ، والكراسيّ من الذهب والفضة ، تحمل الشمامسة والقسوس فوقها الأناجيل في أيام المناسك ، ويضعونها في الأعياد للمباهاة ، فكانت تلك المائدة بطليطلة ممّا صنع في هذا السبيل ، وتأنّق الملوك في تحسينها ، يزيد الآخر منهم فيها على الأول ، حتى برزت على جميع ما اتّخذ من تلك الآلات ، وطار الذكر بها كلّ مطار ، وكانت مصوغة من الذهب الخالص مرصّعة بفاخر الدّرّ والياقوت والزّبرجد ، وقيل : إنها من زبرجدة خضراء حافاتها وأرجلها منها ، وكان لها ثلاثمائة وخمس وستّون رجلا ، وكانت توضع في كنيسة طليطلة ، فأصابها طارق ، انتهى.
وقد ذكرنا فيما مرّ عن ابن حيّان ما فيه نظير هذا ، وذكرنا فيما مضى من أمر المائدة وغيرها ما فيه بعض تخالف ، وما ذلك إلّا لأنّا ننقل كلام المؤرّخين ، وإن خالف بعضهم بعضا ، ومرادنا تكثير الفائدة ، وبالجملة فالمائدة جليلة المقدار ، وإن حصل الخلاف في صفتها وجنسها وعدد أرجلها ، وهي من أجلّ ما غنم بالأندلس ، على كثرة ما حصل فيها من الغنائم المتنوعة الأجناس التي ذكرها إلى الآن شائع بين الناس.
فاعلم [٣] أنه لمّا استقرّ قدم أهل الإسلام بالأندلس وتتامّ فتحها صرف أهل الشام وغيرهم
[١] ما نشب : ما لبث.
[٢] سردانية : جزيرة في البحر المتوسط مقابل المغرب ، دخلها المسلمون سنة ٩٢ ه.
[٣] في ب : واعلم.