نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٢٧ - نهاية موسى بن نصير ، وشيء من صفاته
المذكور ، وقال له : يا فلان ، أتسلّمني في هذه الحالة؟ فقال له المولى ، من شدّة ما كان فيه من الضجر : قد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين ، فدمعت عيناه ، وجعل يرفعهما إلى السماء خاضعا مهينما [١] بشفتيه ، فما سفرت تلك الليلة إلّا عن قبض روحه ، رحمة الله عليه! فقد كان له من الأثر ما يوجب أن يترحّم عليه ، وإنّ فعل سليمان به وبولده وكونه طرح رأس ابنه عبد العزيز الذي تركه نائبا عنه بالأندلس وقد جيء به من أقصى المغرب بين يديه من وصماته [٢] التي تعدّ عليه طول الدهر ، لا جرم أنّ الله تعالى لم يمتّعه بعده بملكه وشبابه.
وذكر ابن حيّان أن موسى كان عربيّا فصيحا ، وقد سبق من مراجعة يزيد بن المهلّب ما يدلّ على بلاغته ، ويكفي منها ما ذكره ابن حيّان أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك فيما هاله من فتوح الأندلس وغنائمها «إنها ليست الفتوح ، ولكنها الحشر».
وقال الحجاري : إن منازعة جرت بينه وبين عبد الله بن يزيد بن أسيد بمحضر عبد الملك بن مروان ألجأته إلى أن قال شعرا منه : [البسيط]
| جاريت غير سؤوم في مطاولة | لو نازع الحقل لم ينزع إلى حصر |
وتقدّم ما ذكره غير واحد كابن حيّان أن موسى مولى عبد العزيز بن مروان ، وكذا ذكره الحجاري ، ثم [٣] تجهّز مع أمّ البنين بنت عبد العزيز حين ابتنى بها الوليد بن عبد الملك ، فكانت تنمي مكانته عند الوليد إلى أن بلغ ما بلغ. وأشهر من كان في صحبة موسى بن نصير من مواليه طارق المشهور بالفتوح العظيمة ، وطريف ، وقد جرى ذكرهما في كتابنا هذا بما اقتضاه الاختصار.
وقال ابن سعيد ، بعد ذكره الخلاف في أن [٤] موسى هل هو لخمي صريح أو بالولاء ، أو بربري ، أو مولى لعبد العزيز بن مروان ، ما صورته : وكان في عقبه نباهة في السلطة ، ولّي ابنه عبد العزيز سلطنة الأندلس ، وعبد الملك سلطنة المغرب الأقصى ، وعبد الله سلطنة إفريقية. وذكر الحجاري أن أصله من وادي القرى بالحجاز ، وأنه خدم بني مروان بدمشق ، وتنبّه شأنه ، فصرّفوه في ممالكهم إلى أن ولي إفريقية وما وراءها من المغرب في زمن الوليد بن عبد الملك ، فدوّخ أقاصي المغرب ، ودخل الأندلس من جبل موسى المنسوب إليه المجاور لسبتة ، ودوّخ بلاد الأندلس ، ثم أوفده الوليد إلى الشام ، فوافق مرضه ، ثم موته وخلافة أخيه
[١] هينم : تكلم بصوت خفي لا يسمع.
[٢] وصمات : جمع وصمة ، وهي العيب والعار.
[٣] في ب : أنه تجهّز.
[٤] أن : ساقطة في ب.