نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٦ - ملخص خبر الفتح من الكتاب الخزائني
قالوا : ووقع على لذريق الملك خبر اقتحام العرب ساحل الأندلس ، وتوالي غاراتهم على بلد الجزيرة ، وأنّ يليان السبب فيها ، وكان يومئذ غائبا بأرض بنبلونة [١] في غزاة له إلى البشكنس لأمر كان استصعب عليه بناحيتهم ، فعظم عليه ، وفهم الأمر الذي منه أتي ، وأقبل مبادرا الفتق في جموعه ، حتى احتلّ بمدينة قرطبة من المتوسطة [٢] ونزل القصر المدعوّ بها ببلاط لذريق المنسوب إليه ، وليس لأنه بناه أو اخترعه ـ وهو بناء من تقدّمه من الملوك اتّخذوه لمنزلهم في قرطبة إذا أتوها ـ إلّا أن العرب لمّا غلبوا لذريق وهذا القصر من مواطنه نسبوه إليه ، إذ لم يعرفوا من بناه ، ويزعم العجم أنّ الذي بناه ملك منهم كان ساكنا بحصن المدور أسفل قرطبة ، وخرج يوما يتصيّد حتى انتهى إلى مكان قرطبة ، وهي يومئذ خراب ، وكان في موضع قصرها غيضة [٣] علّيق ملتفة أشبة [٤] ، فأرسل الملك بازيا له يكرم عليه على حجلة عنّت له من ناحية الكدية [٥] المنسوبة بعد إلى أبي عبيدة [٦] ، فتخبّت في ذلك العلّيق ، ولجّ البازي في الانقضاض عليها ، فركض الملك خلفه حتى وقف على مكانه ليخرجه [٧] ، فأمر بقطعها لاستنقاذ بازيه ضنّا منه به ، فقطعت ، وبدا له تحتها أساس قصر عظيم راقه رصّه ، وقد كان ذا همّة ، فأمر بالكشف عنه ، وتقصّي حدوده طولا وعرضا ، وتتبّع أسّه وأصله ، فوجده مبنيّا من وجه الماء بصمّ الحجارة فوق زرجون وضع بينها وبين الماء بأحكم صناعة ، فقال : هذا أثر ملك كريم ، وأنا أولى من جدّده ، فأمر بإعادته إلى هيئته ، واتّخاذه منزلا من منازل راحاته ، فكان إذا طاف بعمله أو مضى في متصيّده نزل فيه ، وصار السبب في بناء قرطبة إلى جنبه ، ونزل [٨] الناس فيها ، وتوارث الملوك قصرها من بعد ، ونزله لذريق في زحفه إلى العرب أياما ، والحشود من أعماله تتوافى إليه ، ثم مضى نحو كورة شذونة يبغي لقاءهم في حشوده الكثيرة.
[١] بنبلونة : مدينة بالأندلس بينها وبين سرقسطة مائة وخمسة وعشرون ميلا ، وهي بين بلاد شامخة وشعاب غامضة ، قليلة الخيرات ، أهلها فقراء ، لصوص ، وأكثرهم متكلمون بالبشقية لا يفهمون ، وخيلهم أصلب الدواب حافرا لخشونة بلادهم ، ويسكنون على البحر المحيط في الجوف (صفة جزيرة الأندلس ص ٥٥).
[٢] في ب : الموسطة.
[٣] الغيضة : الموضع الكثير الشجر والماء.
[٤] أشبة : ملتفة ، مشتبكة الشجر.
[٥] الحجلة : طائر بمقدار الحمامة. وعنت : ظهرت. والكدية : الأرض المرتفعة الصلبة الغليظة.
[٦] في ب : أبي عبدة.
[٧] في ب : بالحرجة.
[٨] في ب : ونزول.