نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٨٢ - زيّ أهل الأندلس
وعلم الأصول عندهم متوسّط الحال ، والنّحو عندهم في نهاية من علوّ الطبقة ، حتى إنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه ، لا يزداد مع هرم الزمان إلّا جدّة ، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه ، وكل عالم في أيّ علم لا يكون متمكّنا من علم النحو ـ بحيث لا تخفى عليه الدقائق ـ فليس عندهم بمستحقّ للتمييز ، ولا سالم من الازدراء ، مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواصّ والعوامّ كثير الانحراف عمّا تقتضيه أوضاع العربية ، حتى لو أنّ شخصا من العرب سمع كلام الشلوبيني [١] أبي عليّ المشار إليه بعلم النحو في عصرنا الذي غرّبت تصانيفه وشرّقت وهو يقرئ درسه لضحك بملء فيه من شدّة التحريف الذي في لسانه ، والخاصّ منهم إذا تكلّم بالإعراب وأخذ يجري على قوانين النحو استثقلوه واستبردوه ، ولكن ذلك مراعى عندهم في القراءات والمخاطبات بالرسائل. وعلم الأدب المنثور من حفظ التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات الحكايات أنبل علم عندهم ، وبه يتقرّب من مجالس ملوكهم وأعلامهم ، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفل مستثقل.
والشعر عندهم له حظّ عظيم ، وللشعراء من ملوكهم وجاهة ، ولهم عليهم حظ ووظائف ، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة ، ويوقّع لهم بالصّلات على أقدارهم ، إلّا أن يختلّ الوقت ويغلب الجهل في حين ما ، ولكن هذا الغالب. وإذا كان الشخص بالأندلس نحويّا أو شاعرا فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف ويظهر العجب ، عادة قد جبلوا عليها.
وأما زيّ أهل الأندلس ، فالغالب عليهم ترك العمائم ، لا سيما في شرق الأندلس ، فإنّ أهل غربها لا تكاد ترى فيهم قاضيا ولا فقيها مشارا إليه إلّا وهو بعمامة ، وقد تسامحوا بشرقها في ذلك ، ولقد رأيت عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية حضرة السلطان في ذلك الأوان ، وإليه الإشارة ، وقد خطب له بالملك في تلك الجهة ، وهو حاسر الرأس ، وشيبه قد غلب على سواد شعره. وأما الأجناد وسائر الناس ، فقليل منهم من تراه بعمّة في شرق منها أو في غرب ، وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا رأيته في جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة ، وكذلك ابن الأحمر الذي معظم الأندلس الآن في يده ، وكثيرا ما يتزيّا سلاطينهم وأجنادهم بزيّ النصارى المجاورين لهم ، فسلاحهم كسلاحهم ، وأقبيتهم من الإشكرلاط [٢] وغيره كأقبيتهم ، وكذلك أعلامهم وسروجهم.
[١] هو عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله الأستاذ أبو علي الإشبيلي الأزدي المعروف بالشلوبين أو الشلوبيني. كان إمام عصره في العربية ذا معرفة بنقد الشعر ، بارعا في التعليم انظر (بغية الوعاة ٢ : ٢٢٤).
[٢] الاشكرلاط : نوع من الجوخ ، أحمر اللون.