نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٨ - الآلات الحربية والآثار الأولية بالأندلس
كثير ، فقد اختصّت المريّة ومالقة ومرسية بالموشّى [١] المذهّب [٢] ، يتعجّب من حسن صنعته أهل المشرق إذا رأوا منه شيئا ، وفي ننتالة من عمل مرسية تعمل البسط التي يغالى في ثمنها بالمشرق ، ويصنع في غرناطة وبسطة من ثياب اللباس المحرّرة الصنف الذي يعرف بالملبد المختم ذو الألوان العجيبة ، ويصنع في مرسية من الأسرّة المرصّعة والحصر الفتّانة الصنعة وآلات الصّفر والحديد من السكاكين والأمقاص [٣] المذهّبة وغير ذلك من آلات العروس والجنديّ ما يبهر العقل ، ومنها تجهّز هذه الأصناف إلى بلاد إفريقية وغيرها. ويصنع بها وبالمريّة ومالقة الزجاج الغريب العجيب وفخار مزجّج مذهب ، ويصنع بالأندلس نوع من المفضض المعروف في المشرق بالفسيفساء ونوع يبسط به قاعات ديارهم يعرف بالزّليجي يشبه المفضض [٤] ، وهو ذو ألوان عجيبة يقيمونه مقام الرخام الملوّن الذي يصرفه أهل المشرق في زخرفة بيوتهم كالشاذروان ، وما يجري مجراه.
وأما آلات الحرب من التّراس والرّماح والسّروج والألجم والدروع والمغافر فأكثر همم أهل الأندلس ـ فيما حكى ابن سعيد ـ كانت مصروفة إلى هذا الشأن ، ويصنع فيها [٥] في بلاد الكفر ما يبهر العقول ، قال : والسيوف البرذليات مشهورة بالجودة ، وبرذيل [٦] : آخر بلاد الأندلس من جهة الشمال والمشرق ، والفولاذ الذي بإشبيلية إليه النهاية ، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره.
وقد أفرد ابن غالب في «فرحة الأنفس» للآثار الأولية التي بالأندلس من كتابه مكانا ، فقال : منها ما كان من جلبهم الماء من البحر الملح إلى الأرحيّ التي بطرّكونة على وزن لطيف وتدبير محكم حتى طحنت به ، وذلك من أعجب ما صنع. ومن ذلك ما صنعه الأول أيضا من جلب الماء من [٧] البحر المحيط إلى جزيرة قادس من العين التي في إقليم الأصنام ، جلبوه في جوف البحر في الصخر المجوّف ذكرا في أنثى وشقّوا به الجبال ، فإذا وصلوا به إلى المواضع المنخفضة بنوا له قناطر على حنايا ، فإذا جاوزها واتّصل بالأرض المعتدلة رجعوا إلى البنيان
[١] في ب : بالوشي.
[٢] في ب : الذي يتعجب.
[٣] الأمقاص : جمع مقصّ.
[٤] في ب : المفصص.
[٥] في ب : منها.
[٦] برذيل : في بلاد جليقية ، وإقليم برذيل من أشرف أقاليم تلك الناحية ، وهو كثير الكروم والفاكهة والحبوب ، وهي مدينة كبيرة مبنية بالكلس والرمل ، وهي على نهر عجاج يسمى جرونة ، وربما عطبت مراكب المجوس فيه عند الأهوال لاتساعه وانحرافه وأهل برذيل في أخلاقهم ولباسهم على أخلاق الجليقيين .. وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر (صفة جزيرة الأندلس ص ٤١).
[٧] في ب : في.