حاشية المكاسب - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٥ - النوع الخامس في حرمة أخذ الأجرة على الواجبات
هو ما ذكرنا من الوجهين و حاصل أحدهما أنّ المضرّ بالإخلاص إنّما هو الدّاعي الدّنيويّ الّذي هو في عرض داعي الامتثال و أما إذا كان في طوله بأن يكون الدّاعي على العمل امتثال أمر اللّٰه و الدّاعي على الامتثال غرض آخر دنيويّ أو أخرويّ فلا بأس به كيف و لا فرق بالبديهة فيما لا يرجع إلى اللّٰه بين أن يكون أخذ العوض أو غيره من المقاصد الدّنيويّة أو الأخرويّة مع أنّ غالب النّاس إنّما يعبدون اللّٰه خوفا أو طمعا فاللازم إنّما هو توسّط الامتثال و إن كان الباعث عليه غرض آخر راجع إلى نفسه و إلّا انحصرت العبادة فيما كان من أمير المؤمنين (ع) و غيره ممّن لا يرى إلّا أهليّة المعبود للعبادة و دعوى أنّه مع كون الغرض أخذ الأجرة لا يتوسّط الامتثال الّذي هو ملاك الصّحة عندك مدفوعة بمنع ذلك إلّا في المكلّف إذا رأى أنّه لا يملك العوض إلّا بإتيان العمل الصّحيح و هو موقوف على قصد الامتثال يقصده قطعا كما أنّه إذا علم أنّ الجنة موقوفة على ذلك يقصده قطعا أ لا ترى أنّ من كان مضطرا إلى بيع داره من جهة حاجته في عوضها يبيعها عن قصد و إن كان كارها للبيع في حدّ نفسه فهو مع حاجته إلى الثّمن و علمه بتوقّفه على البيع يحصل له القصد إليه إلّا إذا كان غرضه استنقاذ الثّمن عدوانا و إلّا فمع إرادته الملكية الواقعيّة للثّمن يقصد البيع حقيقة ففي المقام أيضا إذا كان المستأجر عليه العمل الصّحيح و توقف على قصد الامتثال فإذا قصد تملّك الأجرة حقيقة يحصل له قصد الامتثال غاية الأمر أنّ الباعث على الإتيان بهذا القصد أخذ الأجرة و لا بأس به إذ لا فرق بينه و بين سائر الأغراض الدّنيويّة و الأخرويّة و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون قصد القربة و الامتثال من قيود الفعل و معتبرا في موضوع المأمور كما لا يخفى على المختار و بين أن يكون معتبرا في طريق الامتثال كما على مختار المصنف إذ على التّقديرين يكون المستأجر عليه و المأخوذ عليه الأجر هو الفعل المأتي به بهذا القصد فيكون داعي استحقاق الأجرة في طول داعي أصل العبادة و لعمري أنّ المطلب في غاية الوضوح و على هذا الوجه لا فرق بين أن يكون أخذ الأجرة بعنوان الإجارة أو الجعالة أو غيرهما نعم يعتبر أن يكون هناك دليل دالّ على صحّة النّيابة و المفروض وجوده إذ لا إشكال في جواز النّيابة من حيث هي بل استحبابها و حاصل الثّاني أنّه مع الإغماض عمّا ذكر يمكن أن يقال بصحّة العمل من جهة امتثال الأمر الإجاري المتّحد مع الأمر الصّلاتي فإنّ حاصل قوله فبإجارتك صلّ وفاء للإجارة و دعوى أنّ هذا الأمر توصّلي لا يكون ملاكا لعباديّة العبادة مدفوعة أوّلا بأنّ غايته أنّه لا يعتبر في سقوطه قصد القربة فإذا أتي بقصد الامتثال يكون عبادة قطعا كما في سائر الأوامر التوصّليّة و لذا قالوا إنّ العبادة قسمان عبادة بالمعنى الأخصّ و بالمعنى الأعمّ و هي كلّ ما يعتبر فيه قصد القربة إذا أتي به بقصدها و ثانيا بأنّا لا نسلّم كونه توصّليّا مطلقا بل هو تابع لمتعلّقه و لعلّ المصنف (قدّس سرّه) يتخيّل أنّ الفرق بين الأمر التعبّدي و التّوصّلي إنّما هو في كيفية الطّلب مع أنّه ليس كذلك قطعا بل الأمر على نسق واحد و إنّما الفرق باعتبار المتعلّق فكلّ ما كان صحّته موقوفة على قصد القربة يقال إنّ أمره تعبّديّ و كلّ ما ليس كذلك يقال إنّ أمره توصّلي و لذا حيث قلنا إنّ قصد القربة معتبر في موضوع العبادات على وجه القيديّة و الشّرطيّة قلنا إنّ جميع الأوامر توصّليّة بمعنى أنّه لا يعتبر فيها إلّا إتيان متعلّقها و المتعلّق قد لا يعتبر فيه قصد القربة و قد يعتبر و أمّا المصنف القائل بأنّ قصد القربة في العبادات لا يعقل أن يكون قيدا فيها و إلّا لزم الدّور بل هو معتبر في طريق الامتثال فله أن يقول إنّ الأمر قسمان فمنه ما يكفي فيه إتيان متعلّقه و منه ما لا يكفي ذلك إلا إذا كان مع ذلك قاصدا للقربة لكنّه عليه أيضا لا يكون ذلك من كيفيّات الطّلب بل الفرق عليه أيضا آت من قبل المتعلق فإنّه قد يكون ممّا لا يوجد في الخارج إلّا إذا كان المكلّف قاصدا للقربة في طريق إتيانه و قد لا يكون كذلك بل يوجد بمجرّد إتيانه على أي وجه كان و تمام الكلام في هذا المطلب له مقام آخر و الحاصل أن امتثال الأمر المتعلّق بالعمل من جهة وجوب الوفاء بالإجارة كاف في الصّحّة فإن قلت إنّ ذلك مستلزم للدّور حسب
ما ذكره المصنف في رسالة القضاء عن الميّت و نقله عن المحقّق القمي أيضا في أجوبة مسائله فإنّ الوجوب من حيث الإجارة موقوف على صحّتها و هي موقوفة على صحّة العمل الموقوف على الوجوب لتوقّف قصد القربة المعتبرة فيه عليه قلت أوّلا يمكن أن يقال إنّ توقف الصّحة على الوجوب ممنوع فإنّ فعله عن الميّت متقرّبا إلى اللّٰه تعالى شيء ممكن قبل الإجارة باعتبار رجحان النّيابة عن الغير في العبادات عقلا و نقلا فإذا وقع في حيّز الإجارة تبدّلت صفة ندبه بصفة الوجوب كما في صلاة التّحيّة الّتي تقع في حيّز النّذر كذا أجاب المصنف (قدّس سرّه) في الرّسالة المذكورة لكنّه قال و فيه نظر و لعلّ وجهه ما ذكره هنا بقوله قلت الكلام في أنّ مورد الإجارة لا بد أن يكون عملا قابلا لأن يوفي به بعقد الإجارة إلخ و حاصله أنّ متعلّق الإجارة لا بدّ أن يكون من حيث هو قابلا لأن يؤتى به وفاء و ما كان من قبيل العبادة غير قابل لذلك لمكان توقفه على أمر آخر و فيه منع عدم القابليّة لإمكان تحصيل قصد القربة و لو بالمجاهدة ليحصل له الدّاعي الإلهي في تفريغ ذمّة المنوب عنه و إذا كان في حدّ نفسه قابلا فيصحّ تعلّق الإجارة به و بعد ذلك له أن ينوي القربة باعتبار الأمر الإجاريّ أيضا و ثانيا و هو التّحقيق في الجواب أنّ المعتبر في متعلّق الإجارة ليس أزيد من إمكان إيجاده في الخارج في زمان الفعل و في المقام كذلك غاية الأمر أنّ تعلّق الإجارة و الأمر الإجاري سبب في هذا الإمكان و هذا ممّا لا مانع منه و حينئذ نقول إنّ الوجوب من حيث الإجارة موقوف على صحّتها و هي موقوفة على القدرة على إيجاد العمل صحيحا في زمان الفعل و هي حاصلة بالفرض و إن لم تكن حاصلة مع قطع النّظر عن تعلق الإجارة و الحاصل أنّه لا يلزم في صحّة الإجارة إلّا إمكان العمل و لو بسبب الإجارة و أمّا الإمكان مع فرض عدم تعلّق الأمر الإجاري و مع قطع النّظر عنه فلا دليل على اعتبارها و بهذا أجبنا عن إشكال الدّور الذي أورده المصنف (قدّس سرّه) بناء على كون قصد القربة من قبيل قيود المكلّف به بدعوى أنّ الأمر موقوف على تحقق الموضوع و المفروض عدمه إلا بالأمر و لذا التجأ في دفعه إلى دعوى كون القربة معتبرة في طريق الامتثال حيث قلنا لا يعتبر في صحّة توجه الأمر إلّا إمكان إيجاد الموضوع و لو كان الأمر هو السّبب في إمكانه حيث إنّه لولاه لا يمكن إيجاد قيده الّذي هو القربة و من هذا الباب ما لو فرض عدم إمكان إيجاد المأمور به و عدم القدرة عليه من غير جهة القربة أيضا إلّا بالأمر بأن يكون أمر الآمر سببا في قدرة المكلّف فإنّه لا مانع من توجه الأمر حينئذ و إن كان الفعل مع قطع النظر عن الأمر غير مقدور و نظير ذلك ما قلت في دفع