تقريرات في أصول الفقه - البروجردي، السيد حسين - الصفحة ١٣٤ - و توضيح المقام يحتاج الى بيان مقدّمات
لا إشكال في كون الاضطرار رافعا للحكم في صورة عدم الالتفات مطلقا، و أما في صورة الالتفات فيمكن أن يكون كذلك أيضا بضميمة أنّ الاضطرار الفعلي موجب للرفع، و المفروض أنه موجود.
لكن يقع البحث في أنه هل الحرمة باقية أم لا؟ الأظهر الثاني، لأنّ رفع الحرمة إما أن يكون بالعقل أو دليل الرفع، و شيء منهما لا يدلّ على ارتفاع الحرمة.
الثالثة: أنّ الحرمة و الوجوب تابعان للمفاسد و المصالح الواقعية، فلو كان أحدهما غالبا على الآخر حكم بمقتضاه من الوجوب أو الحرمة، و حينئذ لو غلبت الحرمة لغلبة المفسدة و اضطرّ الى فعله ارتفعت الحرمة الظاهرية و لم يوجب ذلك أن يؤثر ذلك الوجوب لأنّ رفعه لم يكن لفعلية الحرمة بل لكون الفعل ذا مفسدة، و المفروض في المقام كذلك، و ملاك كون الشيء غير واجب، هو مزاحمته بالمفسدة لا بالحرمة التي هي حكم تكليفي كي يرتفع بارتفاعه.
فقول صاحب الكفاية (قدّس سرّه): إنّ الوجوب يعود بعد اضطراره الى الحرمة بملاكه الذي كان قبل الاضطرار مندفع.
و الحاصل: أنه اذا كان شيء له مصلحة و مفسدة أقوى منها فلا محالة يكون حراما و مانعا من اقتضاء تلك المصلحة الوجوب، فاذا جاء الاضطرار رفع الحرمة و تبقى المانعية لأنها لم تكن لأجل الحرمة، بل لكون هذا الفعل ذا مفسدة أقوى، اللّهمّ إلّا أن يحدث مصلحة أقوى منها بعد الاضطرار.
أ لا ترى الى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [١]، دلّت الآية الشريفة على أنّ للخمر و الميسر مصلحة بحيث لو لم تكن مزاحمة بمفسدة أقوى منها لكانت مقتضية للرجحان، لا أقلّ من الندب، فاذا اضطرّ الى شربه لم يكن هذا الاضطرار موجبا لوجوبه أو استحبابه إلّا أن يكون شربها بطبابة الأطباء الحاذقين- مثلا مع كونه
[١] البقرة: ٢١٩.