تقريرات في أصول الفقه - البروجردي، السيد حسين - الصفحة ٢٢٠ - هل الحسن و القبح ذاتيان أم بالوجوه و الاعتبار؟
التحقيق أن يقال: إنّ الأفعال إن لوحظت بعناوينها الخاصّة مع قطع النظر عن وجودها في الخارج يكون الحسن و القبح حينئذ ذاتيّين لهما، و إن لوحظت مع النظر إليه يكونان بالوجوه و الاعتبار، فالاساءة و الإحسان مفهومان قبيحان و حسنان ذاتا، و اذا وجدتا في الخارج في ضمن مصداق يمكن طرو عنوان ضدّ كل واحد بملاحظته كونه ذا مصلحة و مفسدة كليهما.
(الثالث) أنّ ما يحكم العقل باستحقاق العبد العقوبة به إنما هو القبح الناشئ عن صدق عنوان مخالفة المولى و الخروج عن رسوم العبودية، لا القبح الذي لا يكون للشيء الناشئ عن كونه ذا مفسدة مع قطع النظر عن تعلّق النهي.
نعم، لو دلّ دليل على أنّ كل ما كان قبيحا عقلا فلا تفعله كان العبد مستحقا بارتكابه العقوبة بهذا الاعتبار الذي ذكرنا، لا باعتبار القبح الذاتي الناشئ عن المفسدة النفس الامرية.
اذا عرفت هذه الامور الثلاثة يظهر لك أنّ قبح التجرّي الذي هو بملاك العصيان باق على حاله من غير تغيير، سواء كان الفعل المتجرّي به واجبا واقعا أم مكروها أم مباحا، لأنّ المفروض أنه لا تأثير في القبح أو الحسن الواقعي في رفع قبح هذا العنوان المترتّب على هذا الفعل، أعني الخروج عن رسوم العبودية، لما ذكرنا من أنّ الملاك إنما هو حكم العقل بالقبح، و هو بعد بحاله.
مضافا الى أنّ التزاحم إنما هو فيما اذا كان المتزاحمان في مرتبة واحدة، و المفروض في المقام أنّ القبح الناشئ عن التجرّي متأخّر عن حسن ذات الفعل، فإن حسنه ذاتي، سواء كان مأمورا به فعلا أم لا كما هو المفروض، و قبح التجرّي مقيّد بكونه معنونا بعنوان المأمور به كما لا يخفى.
ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من قبح التجرّي و ترتّب آثاره بين كون الحرمة معلومة بالعلم الجازم أو مظنونة بالظنّ المعتبر من الخبر الواحد أو الاستصحاب أو غير ذلك من الامور المعتبرة شرعا.
كما لا فرق بين أقسامه من كون المتجرّي أتى بالفعل بقصد الوصول الى