نقد الآراء المنطقية و حل مشكلاتها - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤ - تعريف القضية
القضية الثابت لها من جهة انتفاء الموضوع فانّ وجود الموضوع لما كان بوجودها كان وجود الموضوع موقوفاً عليها وهي علة لتحققه فيكون في مرتبة متأخرة عن القضية فتكون القضية في مرتبة نفسها موضوعها غير موجود فهي كاذبة وبتعبير آخر أنّ المعتبر وجود الموضوع في مرتبة موضوعيته حتى يكون الحكم عليه حكم على موجود وتكون الصفة ثابتة بعد ثبوت المثبت له فوجوده بعد الحكم لا ينفع في صدق القضية. هذا مع إمكان أن يقال: أنّ القضية لا تشمل نفسها وإنما يسري لها الحكم بتنقيح المناط فمثل قولنا: (المركب التام ما يصح السكوت عليه) لا يشمل نفسه وإنما يشملها بتنقيح المناط نظير ما ذكر من أنّ الأحكام لا تشمل حالتي العلم والجهل والإطاعة والعصيان لأنها مراتب متأخرة عنها وعليه فيكون الحكم فيها موضوعه غير موجود لعدم شموله للفرد الموجود. وقد أورد على صحة هذا الكلام بإيرادين آخرين. احدهما أنّ هذا الكلام خبر والخبر لا بد فيه من الحكاية وهي غير المحكي عنه وفيما نحن فيه ليس سوى هذا الكلام كلام يحكى عنه فاتحد الحكاية والمحكي عنه بالذات ولا بد من التغاير بينهما لأن حكاية الشيء عن نفسه غير معقولة وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه ولزم النظر إلى الشيء آلياً واستقلالياً. وثانيهما أنّ الموضوع لا بد وان يكون مستقلًا كما تقرر في موضعه والموضوع هنا نفس هذا الكلام وهو مشتمل على النسبة وكلما هو كذلك يكون غير مستقل فيلزم كون الموضوع غير مستقل وهو خلف. والجواب عنهما: أنّ المغايرة بين الحاكي والمحكي عنه تكفي بالأعتبار نظير الدلالة كما في الدعاء (يا من دل على ذاته بذاته) فهنا تلحظ نفس هذه القضية ويحكي بها عن نفسها فبلحاظها الإجمالي محكي عنها وبلحاظها التفصيلي تكون حاكية. وأمّا الموضوع هو نفس هذه القضية وهي مستقلة لأن الجزء الغير الاستقلالي كان قائماً بأجزائها لا بأمر خارج عنها.
وسادساً أن النسبة الوصفية كزيد العالم في قولنا: جاء زيد العالم محتملة للصدق بأن يكون في الواقع عالماً وللكذب بأن لا يكون كذلك ولذا من يكيل أوصافاً لغير مستحقيها يقال له: كاذب.- وجوابه- أنّ وصفي الصدق والكذب أنما هما باعتبار الحكاية عن الواقع والأوصاف أنما تذكر لا بهذا القصد وإنما هي بقصد التعريف والتشخيص أو غير ذلك فعدم مطابقتها نظير عدم مطابقة الاسم للمسمى كمن قال: (هذا زيد قد جاء) مع أنه هو عمرو فانّ مثل ذلك يسمى بالاشتباه لا بالكذب نعم بعض الأوصاف يعلم من حال المتكلم أنه قد ذكرها بقصد الأخبار والحكاية فهي حينئذ تدل على قضية خبرية هي التي تتصف بالصدق والكذب.
وسابعاً: أنّ القضية المشكوكة كمن قال: زيد قائم وهو شاك فيه أو طالب للدليل عليه فانّ المطالب التصديقية في مقام الاستدلال عليها تكون مشكوكة حتى عند نفس الشخص الذي لم يستحضر الدليل عليها ويريد أن يقيمه عليها فإنها من القضايا مع إنها لا تحتمل الصدق والكذب لعدم قصد الحكاية بها عن الواقع لشكه فيه. إن قلت: إنها ليست من القضايا للشك فيها كما هو مذهب الكثير من المنطقيين. قلنا: هي من القضايا لأن الشك بديل اليقين والظن وهما إنما يتعلقان بالقضايا مع إنّ العلم والتصديق والإذعان لو كان داخلًا في القضية لزم أن يكون المتكلم المعتقد الكذب بقضاياه أن لا تكون أخباره قضايا ولزم عند العلم بالقضية علمان علم جزء منها وعلم بها إذ لو كان علم واحد لدخل العلم في المعلوم وتقوّم المعلوم به. إن قلت: أنّ المشكوكة توجد فيها الحكاية عن الواقع فانّ الشيء ما لم يكن فيه حكاية عن الواقع لا يقع الشك والترديد فيه إذ الشك والترديد عبارة عن تجويز مطابقة الحكاية وعدمها لنفس الأمر تجويزاً مساوياً من غير ترجيح. قلنا: الصدق والكذب تابع لقصد الحكاية بحيث لو كان