نقد الآراء المنطقية و حل مشكلاتها - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٤ - اعتبار وجود الموضوع في الموجبة دون السالبة أو القاعدة الفرعية
اعتبار وجود الموضوع في الموجبة دون السالبة أو القاعدة الفرعية
(قالوا لا بد في الموجبة من وجود الموضوع لقاعدة أنَّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له بداهة أنَّ ما لا ثبوت له لا يصلح لأن يرتبط به كل شيء إِذ الصفة لا تقوًّم إِلا بالموصوف بخلاف السالبة فانَّه لا يجب وجود موضوعها لصحة السَّلب عن الأمور المعدومة). ويرد عليهم خمسة وعشرون إيراداً.
أولًا: أنَّ الممكنة الموجبة لا تستدعي إلا إمكان الموضوع لا وجوده لجواز أن يكون الحكم فيها على أمر معدوم كما أمر معدوم كما قلنا: العنقاء تطير بالإمكان. [وجوابه] مضافاً إلى أنه لا يتم عند من قال أنَّ الممكنة ليست بقضية كما ذهب إليه جماعة أنَّ المقصود بالقضايا الممكنة التي تكون من هذا القبيل هو الحكم على موضوعاتها بإمكان تلك الصفات على تقدير وجودها فالمراد بالقضية المذكورة أنَّ العنقاء على تقدير وجودها يمكن طيرانها فيكون الموضوع في ظرف الاتصاف موجوداً وثابتاً كما هو الحال في سائر القضايا الحقيقة فأنَّ المعتبر في الموجبة هو ثبوت الموضوع وقت الاتصاف والتلبُّس بالصفة لا وقت الحكم فإذا قيل: أبنك يتكلم بعد خمس سنين لا بد من وجود الابن وقت التكلم لا حين هذا الحكم. إن قلت: لو أريد بها ثبوت إمكان الطيران للعنقاء حالًا نظير ثبوت إمكان وجودها حالًا. قلنا: سيجيء إن شاء الله الكلام فيه في الإيراد الخامس على هذا المقام.
وثانياً: أنَّ الهليَّة البسيطة كقولنا: زيد موجود في الخارج لم يكن الموضوع موجوداً فيها فلو كان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له لكان ثبوت الوجود لزيد فرع ثبوت زيد فيكون موجوداً قبل هذا الوجود ثم ننقل الكلام إلى هذا الوجود وهلم جرا فيلزم التسلسل وإن يكون الشيء الواحد موجوداً بأكثر من وجود واحد. إن قلت: أنَّ الهليَّة البسيطة ليست فيها ثبوت شيء لشيء وإنما فيها ثبوت شيء فقط إِذ الوجود ليس بشيء وراء الثبوت فهي خارجة عن موضوع القاعدة. مضافاً إلى أنَّه لا يعقل أن تكون هذه القاعدة تشمل الثبوت لأنه أخذ في المثبت له فلو كان ثبوته يحتاج إلى ثبوت لزم التسلسل. قلنا: أنَّ ما ذكر إِنما يرفع الأشكال عن القاعدة الفرعية أعني ثبوت شيء لشيء يستدعي ثبوت المثبت له أمَّا الأشكال على أنَّ الموجبة لا بد فيها من وجود الموضوع فهو باقي على حاله لأن الهليَّة البسيطة موجبة ولم يكن الموضوع موجوداً فيها. [وجوابه] أنك قد عرفت أنَّ الموجبة لا بد من وجود الموضوع فيها حين الاتصاف بالمحمول ولا شك أنَّ في الهلية البسيطة يكون الموضوع موجوداً حين الاتصاف بالمحمول غاية الأمر يكون وجوده بعين وجود محموله وهذا لا يضر بالحكم المذكور فأنَّ المنطقيين لم يشترطوا وجود الموضوع للموجبة بغير وجود محموله بل أعم مما كان بوجود محموله أو بغيره. والحاصل أنَّ النقض بالهليَّة البسيطة على القاعدة نرفعه بأن لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء. وعلى لا بدية وجود الموضوع في الموجبة نرفعه بأن الموضوع موجود. نعم يرد الإشكال عليهم بأن الاستدلال بالقاعدة على لا بدية وجود الموضوع في الموجبة أخص من المدعي والأولى الاستدلال عليه بأن الموجبة لما كان مفادها ثبوت شيء لشيء فلا بد فيها من تحقق شيء يكون حاملًا لذلك الوصف.
وثالثاً: انَّه أن كان المراد بثبوت المثبت له في الخارج فالموجبات الذهنية ليست كذلك لأن المثبت له كان في الذهن وإِن كان الأعم من الثبوت الخارجي والذهني فالسوالب لا بد من وجود موضوعها في الذهن لاستحالة الحكم على المجهول المطلق. [وجوابه] أنَّ القضية لها مرتبتان: مرتبة انعقادها قضية وحكايتها عن الواقع من حيث حكايتها سواء كانت مطابقة للواقع أم لا وبهذه المرتبة لا بد من وجود الموضوع لها في الذهن سالبة كانت أم موجبة