نقد الآراء المنطقية و حل مشكلاتها - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٣ - صدق وصف الموضوع على ذاته
وإن شئت قلت: أنَّ صدق وصف الموضوع على ذاته لا يستدعي وجود الذات في الخارج لنه ليس بحكم عليه وإِنما هو انطباق عليها ونسبة تقييدية نظير قولنا: (غلام زيد) فأنَّها لا تستدعي وجود الغلام
وخامساً: أنَّ ما ذكروه لا يتم على إطلاقه فانَّ الموضوع لو قيد بجهة خاصة كان صدقه على ذاته بتلك الجهة كما لو قيل كل إنسان بالضرورة حيوان كان صدق الإنسان على ذاته بالضرورة وهكذا قولنا: كل متحرك بالدوام فلك كان صدق المتحرك على ذاته بالدوام.
وسادساً: أنَّه لا فرق بين رأي الفارابي وأبن سينا لأن أبن سينا على ما يظهر من كتبه أنه قائل بكفاية الفعلية الفرضية سواء طابقت الواقع ونفس الأمر أم وليس بقائل بالفعلية النفس الأمرية فقط ففي محكي الشفاء في معنى اتصاف الذات بوصف الموضوع بالفعل أنه (على معنى أنَّ العقل يصفه بأنَّ وجوده بالفعل يكون كذا سواء وجد أم لم يوجد فيكون قولك: كل أبيض معناه كل واحد مما يوصف عند العقل بأن يجعل وجوده بالفعل أنَّه أبيض) وقال في الإشارات: (إذا قلنا: كل ج ب نعني به أنَّ كل واحد ممَّا يوصف بج، كان موصوفاً بج في الفرض الذهني أو في الوجود الخارجي آه) فأنَّ كلامه يقتضي أنَّ الذات الغير المتصفة بوصف الموضوع إذا فرضها العقل متَّصفة به بالفعل تكون من أفراد الموضوع فإذا قلنا: كل رومي أبيض دخل في (أبيض) الأبيض في الخارج والحبشي إذا فرضه العقل أبيضاً بالفعل فالفارابي وأبن سينا كل منهما يدخل الحبشي في الموضوع إِلا أن الفارابي بدون فرض الذهن وأبن سينا مع فرض الذهن له أبيضاً. [وجوابه] أنَّ مراد أبن سينا من فرض الذهن ليس فرض الاتصاف حتى يدخل الحبشي لو فرض اتصافه بالسَّواد بل مراده فرض وجود الموضوع في نفس الأمر والحاصل أن أفراد الموضوع التي تتصف بوصفة بالفعل سواء كانت موجودة خارجاً أو فرضها العقل موجودة يثبت لها المحمول بعين ما ذكر في موضوع القضية الحقيقة فالأفراد عند أبن سينا لا بد لها من الاتصاف في نفس الأمر بوصف الموضوع وإِنما هي أعم من أن تكون خارجية أو مقدرة كما هو شأن القضية الحقيقة فالفرق بين أبن سينا والفارابي أن الحبشي لم يكن داخلًا في المثال عند أبن سينا لأنه في نفس الأمر لم يكن اتصافه بالبياض فعلي ويكون عند الفارابي داخلًا لأنه ممكن بياضه.
وسابعاً: أنه يلزم على مذهب الفارابي والشيخ أن لا تصدق المشروطة والعرفية لأن وصف الموضوع يكون مأخوذاً بالإمكان أو بالفعل. ومن الواضح أنَّ الوصف ما دام ممكناً أو في أحد الأزمنة الثلاثة لا ضرورة ولا دوام للمحمول ألا ترى إلى كذب قولنا: كل كاتب متحرك بالضرورة أو بالدوام ما دام كاتباً بالإمكان أو بالفعل. [وجوابه] أنَّ الحكم فيهما ما دام وصف الموضوع ثابتاً ومتحققاً لذاته بمعنى أنَّ المحمول فيهما مقيد باتصاف ذات الموضوع بوصف الموضوع وان كان الوصف يصدق على الذات بالفعل أو بالإمكان لكنه في طرف المحمول لا بد من صدقه حالًا وفعلًا وأمَّا على مسلكنا فلا يرد هذا الأشكال أصلًا ولا يحتاج إلى التزام أنَّ وصف الموضوع تختلف جهة صدقه على ذاته في عقد الحمل مع جهة صدقه في عقد الوضع.
وثامناً: أنَّ مثل الإنسان حيوان لم يكن صدق وصف الموضوع على أفراده بالإمكان ولا بالفعل بل هو بالضرورة. [وجوابه] أنَّ المراد أنَّ الإمكان أو الفعل لا بد منه فلو كانت جهة أخص منها فقد حصل الأعم فإذا صدقت الضرورة أو الدوام فقد صدق الفعل والإمكان.
وتاسعاً: أنَّ هذا لا يتم فيما كانت القضية شخصية كزيد قائم أو طبيعية كالإنسان نزع وهكذا القضايا المشتملة على الحمل الأولي الذاتي كالإنسان حيوان ناطق بل والقضايا الذهنية كشريك الباري ممتنع إِذ ليس للموضوع وراء المفهوم مصداق. [وجوابه] أنَّ كلامهم في المحصورات إِذ هي المعتبرة في العلوم عندهم.
وعاشراً: أنَّ صدق وصف الموضوع على ذاته لو كان بالفعل لما كانت القضية تشمل الأفراد المعدومة لأنها لم يصدق عليها الوصف بالفعل بل بالإمكان. [جوابه] أنَّها تشملها كما تقدم بيانه في الإيراد السادس.