نقد الآراء المنطقية و حل مشكلاتها - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٢ - صدق وصف الموضوع على ذاته
لها تتبدل حقيقتها بحقيقة أخرى وهي الحيوانية الناطقية وهكذا الثلاثة تتبدل حقيقتها بضم واحد إليها إِذ حقيقة مراتب الأعداد متقومة بما ينضم إليها بخلاف السواد فان حقيقة الإنسان لا تتبدل بد إذا انضم إليه. مدفوعة بأن المصداق لمَّا كان هو الوجود الخارجي وكان الميزان هو إِتصافه بأحد الأزمنة أو بالإمكان ووجود النطفة الخارجي يصح حمل الإنسان عليه بأحد الأزمنة الثلاثة أو بالإمكان ألا ترى إلى الصحة قولنا هذه النطفة إنسان في المستقبل أو بالإمكان. نعم لو كان المصداق نفس الطبيعة كما ذهبنا إليه الإيراد الأول لم يرد شيء من ذلك. ودعوى أنَّ المراد بالإمكان في كلام الفارابي هو الإمكان الذاتي وإمكان اتصاف النطفة بالإنسان إمكان استعدادي. مدفوعة بأن الإمكان الذاتي موجود في كل مورد يتحقق فيه الإمكان الاستعدادي فأنَّ النطفة لو لم تكن الإنسانية ممكنة لها بالذات لكانت ممتنعة بالذات إِذ لا تخلو مادة من المواد من أحد الجهات الثلاثة أما الوجوب الذاتي أو الإمكان الذاتي ولو كانت ممتنعة بالذات لكان من المحال تحققها للنطفة لاستحالة الممتنع بالذات كشريك الباري واجتماع النقيضين لمورد واحد ولو وجدت سائر المعدات والعلل. ودعوى أنه يصدق لا شيء من النطفة بإنسان بالضرورة فسلب الإنسانية عنها ضروري. فاسدة لكذبها على تقدير صدق وصف الموضوع على ذاته بالإمكان إذ معنى تلك القضية أن لا شيء مما أمكن أن يكون نطفة بإنسان وهذا كاذب قطعاً لأن شيئية الإنسان قد أمكن أن تكون نطفة إذ هي مبدئها وأما على تقدير أن يكون وصف الموضوع يصدق بالفعل فيكون معناها: لا شيء مما هو نطفة في أحد الأزمنة الثلاثة بإنسان وهذا أيضاً كاذب لأن شيئية الإنسان كانت نطفة في السابق إِلا اللهم أن يقال: أنَّ محل كلامهم في الأوصاف لا في الأسماء كالإنسان والأربعة وزيد وعمرو وخالد وإلا لما صدقت أغلب الكليات فأنَّ قولنا: كل إنسان حيوان بالضرورة لو كان المراد به ما كان إنساناً في أحد الأزمنة الثلاثة لكانت كاذبة لأن الميت من الإنسان كان إنساناً في الزمان الماضي مع أنَّه ليس بحيوان وهكذا قولنا: زيد متحرك بالدوام فأنَّه بعد موته ليس بمتحرك.
وثالثاً: أنَّ قواعد المنطق غير مقيدة بالعرف واللغة وإِنما هي مقيدة بحكم العقل مع أن رأي أبن سينا مخالف للعرف واللغة فانَّهم يفهمون منها ما كان متلبّساً بالوصف حالًا الأزمنة الثلاثة ولذا قد حقق أنَّ المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ بالحال وبهذا ظهر لك أنَّ ما ذهبنا إليه في الإيراد الأول من أنَّ الإطلاق بلحاظ حين الاتصاف موافق للعرف واللغة كما انًّه موافق لحكم العقل.
ورابعاً: أنَّ القضايا التي تكون موضوعاتها ممتنعة بالذات لا يصدق وصف الموضوع على ذاتها لا بالفعل ولا بالإمكان لامتناع وجودها فانَّ مثل: كل خلاء ممتنع وشريك الباري غير موجود واجتماع النقيضين محال لا يصدق وصف موضوعاتها على ذواتها لا بالفعل ولا بالإمكان لأن لازم الصدق هو الاتصاف والاتصاف لازمه الوجود وقد فرض أن ذواتها ممتنعة الوجود.- وجوابه- أنَّ المراد الأفراد التقديرية نظير قولنا: كل عنقاء طائر أي كل ما قدَّر انَّه خلاء أو أنه اجتماع للنقيضين فهو محال وممتنع. ولا شك أن ما قدر انَّه كذلك يكون متصفاً بعنوان الموضوع في حدَّ ذاته بالإمكان وبالفعل. وأما إذا قلنا أنَّ هذه القضايا ذهنية كما هو المشهور فالموضوع فيها ما تصوَّر بهذا العنوان ولا أشكال أنَّ أفراده هي الصَّور الذهنية وهي متصفة بالتصور بهذا العنوان بالفعل وبالإمكان. وأما على مسلكنا فالانطباق يكون على الحصص منها وهو واضح لانطباق الشيء على نفسه وإن كان ممتنعاً.