تنقيح المقال في علم الرجال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٢٩٠ - ١٤٤٤
بالحيرة زمن الغيبة-الّتي هي رأس كلّ بليّة و حيرة [١]-،و من لاحظ الكتب المصنّفة في الغيبة ظهر له أنّ إطلاق لفظ الحيرة على زمن الغيبة شائع ذائع في لسان الأخبار و المحدّثين.
و على كلّ حال؛فالخبر المزبور قاصر عن معارضة التوثيقات المستفيضة
[١] توضيح ذلك:أنّ الشيعة الإماميّة-رفع اللّه سبحانه شأنهم،و وحّد كلمتهم،و أهلك عدوّهم-،بعد وفاة الإمام العسكري عليه السلام وقعوا في حيرة عظيمة،فمن قائل إنّ الإمام عليه السلام لم يعقب،مع اعتقادهم بأنّه لا بدّ من إمام ثاني عشر،هو خاتم الوصيين،و حجّة اللّه في الأرض على الخلق أجمعين،به يملأ اللّه الأرض قسطا و عدلا، فالحيرة كانت بين كون عدم عقب ظاهر مشاهد للناس،و بين اعتقادهم الجازم بأنّه لا بدّ من وجود إمام ثاني عشر حسب ما وردت به الآثار عن الرسول الكريم و الأئمّة الهداة المهديين،و على هذا فمن المعلوم أنّ محمّد بن يحيى أراد بقوله:وددت أنّ هذا الخبر جاء من غير جهة أحمد بن أبي عبد اللّه..ليس إلاّ أنّ أحمد بن محمّد بن أبي عبد اللّه كان في زمن الغيبة حيّا يرزق،و لو كانت الرواية رويت قبل الغيبة عن رجل تقدّم على زمن الغيبة كانت الرواية إخبارا عن المغيب قبل وقوعه،و كانت الرواية حجّة في إثبات وجود الإمام الثاني عشر-عجّل اللّه فرجه الشريف و جعلنا من أعوانه و أنصاره-و غيبته،و محمّد بن الحسن الصفّار رحمه اللّه فهم هذا المعنى من كلام محمّد ابن يحيى فأجابه بقوله:لقد حدّثني قبل الحيرة بعشر سنين..أي الّذي وددته حاصل، و هو رواية الخبر قبل وقوع الغيبة بعشر سنين،فالرواية ليست دالّة على ذمّ لأحمد بن أبي عبد اللّه أصلا،بل ربّما يستفاد منها مدح عظيم للبرقي،حيث إنّ الصفّار-و هو معلوم الجلالة و الوثاقة-استند في إثبات أمر خطير برواية المترجم،و كذلك محمّد بن يحيى الثقة الجليل لم يناقش في الراوي،بل كأنّ جلالة الراوي و وثاقته غير قابلة للنقاش عنده،بل ودّ أن تكون رواية الراوي قبل الغيبة. و لا ينقضي عجبي كيف خفي هذا المعنى على فطاحل العلماء،و أساطين الفنّ،مع أنّه غير خفّي على من اطلع على حياة الشيعة،و وضعهم الاجتماعي،و الضغط الّذي كانوا يلاقونه من أئمّة الجور و الضلال،فالحقّ الصريح و القول الفصل ما أفاده المؤلّف قدّس سرّه و رفع في الجنان محلّه،و أشار إلى ما قلناه السيّد بحر العلوم في رجاله ٣٤٢/١،فراجع.