فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٧ - القراءة الجديدة للنصوص الدينية( الهرمنوطيقا ) / ١ / الاُستاذ الشيخ حسن الجواهري
وإلى هنا اتضح عدم تمامية اختصاص الخطاب الديني بالمشافهين .
وأمّا الدعوة الثانية: وهي الدعوة إلى منهج فلسفة اللغة في تفسير النصّ :
فخلاصته كما يصورونه بأنّ دلالة الألفاظ على المعاني هي مدلولات تتولد بالأساس في ذهن المتلقّي لتتحدد بعد ذلك برموز اللغة ، وقد اعتمدت هذه الفلسفة على ما نُسب الى الفيلسوف اللغوي النمساوي ( مزناند دي سويسير ) ومؤدّاها : أنّ اللغة لا تحمل معنى موضوعياً خارج الذهن المتلقّي لها ، إذ هي لا تعبّر عن العالَم الخارجي الموضوعي القائم بحيث يمكن أن يحصّله كلّ قارئ أو مستمع لها على نفس النحو مهما تغيّرت الأوضاع وتبدّلت الأجيال ، وإنّم مدلول اللغة هو ما تثيرة في ذهن المتلقّي من معنى بحسب ما يعمر ذلك الذهن من مفاهيم ثقافية بحيث يكون مدلول اللغة في آخر التحليل هو ما يستكنّ في الأذهان المتلقّية بحسب تكوّنها الثقافي ، وليس ما تحمله اللغة من حمولة مدلولية موضوعية خارج الذهن المتلقّي لها .
وبما أنّ الوعي الثقافي يختلف باختلاف الأزمان والأجيال ، بل قد يختلف باختلاف الأفراد في الزمن الواحد وفي الجيل الواحد ، لذلك فإنّ المدلول اللغوي للنصّ الواحد قد يكون مختلفاً بين جيل وآخر ، بل بين شخص وآخر من نفس الجيل من المتلقّين لذلك النصّ ، وذلك تبعاً لاختلاف الوعي الثقافي بينهما ، بحيث يكون ما يحصل في فهم جيل أو فرد من معاني النصّ قد يكون مخالفاً لما يفهمه جيل آخر أو فرد آخر منه ، إذ هو لا يحمل في ذاته معنى موضوعياً يلتقى الجميع في فهمه ، وإنّما يتحدد معناه بالوعاء الثقافي الذي يتنزّل فيه بالمتلقّي (٣٠).
وقد طبّق هذه الادعاء على النصّ القرآني ، فكان معنى النصّ القرآني هو ذلك المعنى الذي ينطبع في أذهان المتلقّين بحكم ما تنتجه ثقافتهم من عملية التلقّي للنصّ القرآني ، فلا يكون للنصّ القرآني معنى ثابت .
(٣٠)راجع تقرير هذه الفكرة الفلسفية اللغوية وشرحها في : نصر حامد أبو زيد ، النصّ السلطة الحقيقة : ٨٠وما بعدها .