فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٢٥ - الادراكات الاعتبارية في علم الأُصول الشيخ محمد الكردي
بمعنى أنّ هذا المعنى بالذات ليس حاكياً عن الآخر ، وإنّما يشير إليه إجمالاً .
وبتعبير آخر : نجعل الدلالة ـ في مثل هذه الموارد ـ لمعنىً ليس له هذه الدلالة ـ واقعاً وبالذات ـ على موضوعنا ، فمثلاً : الصورة التي في ذهننا عن مالك الأشتر هي صورة اعتبارية ؛ بمعنى أنّنا اعتبرنا شخصاً حاكياً عنه ، فإذ أردنا ـ في مثل هذه الموارد ـ وضع اسم للصورة التي في ذهننا ، فإنّه يكون من الوضع الخاص والموضوع له خاص ، إلاّ أنّه مع هذا يكون الوضع غير الموضوع له . ولا يشترط في الدلالة الاعتبارية التطابق بين الحاكي والمحكي ، إلاّ أنّ الحاكي له مجرد إشارة للمحكي ، وبتعبير أوضح أنّ الحكاية اعتبارية وخفيفة المؤونة .
والمصداق الآخر لذلك هو حكاية الفصل المنطقي عن الفصل الحقيقي للأشياء ، فبعض المفاهيم الفلسفية مثل الوجود والعدم من هذا القبيل (٣٠)أيضاً ، فحيث إنّ الوجود حقيقة عينية لا يتحقق في الذهن ؛ لذا لا بدّ من اعتبار مفهوم حاكياً عنه ، ولعلّ ما يقوم به الذهن في باب الاستعارة من هذا القبيل .
وعلى كلّ حال ، فمحلّ بحثنا من هذا النوع ، فهناك موارد لا يمكن للذهن أن يدرك الكلّي فيها ، فعندما نريد وضع اللفظ لها ، نجعل الجزئي ـ اعتباراًلا حقيقيةً ـ حاكياً عن الكلّي ، ولا طريق لنا في تلك الموارد إلاّ الاعتبار ، وأيّ مفهوم آخر نجعله حاكياً عن الكلّي فإنّما هو نوع اعتبار أيضاً ، وبالأخص إذ التفتنا إلى هذه النقطة ، وهي أنّه ليس هناك مفهوم جزئي حقيقي ، بل المفهوم ملازم مع الكلّية ، والجزئية بالنسبة له أمر إضافي ونسبي (٣١).
فتحصّل : أنّه لا يمكن الوضع بدون لحاظ ، فحتى حينما نشير بأسماء الإشارة إلى مفهوم أو شيء خاص فهو لحاظ له في الحقيقية ، أمّا بنفسه (٣٢)أو بمفهوم حاكٍ عنه اعتباراً ، وكلّ البراهين التي ذكرت لاستحالة الوضع الخاص والموضوع له عام ، فهي تتعلّق بالحكاية الحقيقية لا الاعتبارية .
(٣٠)أُنظر : محمد حسين الأصفهاني ، نهاية الدراية ١ : ٢٨؛ صدر المتألهين ، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة ، تعليقة العلاّمة الطباطبائي ١ : ٣٤٦؛ محمد إسحاق الفياض ، محاضرات في أُصول الفقه ١ : ٦٩.
(٣١)راجع : محمد حسين الطباطبائي ، نهاية الحكمة : ٢٤٣.
(٣٢)راجع : السيد عبدالصاحب الحكيم ، منتقى الأُصول ١ : ٧٥، مطبعة أمير ـ قم ١٤١٣هـ .