فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
بأنّها مطلقة في نفسها ، ولا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها بما إذا ثبت الحق بالبينة ؛ فإنّه لا بدّ من إقامته عندئذٍ ، ولا يعفى عنه (١٥).
إلاّ أنّ الظاهر أنّ الرواية أجنبية عن ذلك ، وإنّما هي ناظرة إلى المسألة المتقدّمة من أنّ الحدود التي يكون فيها حق للناس يمكنهم أن يعفوا عنها عند الإمام أو قبل الوصول إلى الإمام ، بخلاف ما يكون للّه محضاً ، فقوله (عليه السلام) : « دون الإمام » إمّا أن يراد به عند الإمام ، أو يراد به قبل أن يصل إلى الإمام . وأمّا إرادة « غير » من « دون » فهو غير محتمل ؛ لأنّه لا يتناسب مع « لا يعفى » المبني للمفعول في الفقرتين معاً ، بل كان ينبغي أن يقول : « لا يعفو عن الحدود التي للّه دون الإمام ، وأمّا في حقوق الناس فلا بأس بأن يعفو عنه دون الإمام » ؛ أي غيره ، وهذا واضح . بل على هذا أيضاً لم يكن يدلّ على عموم حق العفو للإمام ، وإنّما يدلّ على أنّ غيره لا حقّ له في العفو في حقوق اللّه أصلاً ، وأمّا الإمام فهل له الحق مطلقاً أو في الجملة ؟ فهذا لا دلالة للحديث عليه حتى على فرض إرادة « غير » من « دون » ؛ لعدم المفهوم للقيد بأكثر من السالبة الجزئية على ما هو محقق في محلّه .
الجهة الثانية :إنّ الروايات ـ وفيها المعتبرة ـ قد دلّت على أنّ للإمام حق العفو في حقوق اللّه إذا كان الذنب ثابتاً بالإقرار دون ما إذا كان ثابتاً بالشهادة والبينة :
منها :معتبرة طلحة بن زيد عن جعفر (عليه السلام) قال : « حدّثني بعض أهلي أنّ شاباً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقرّ عنده بالسرقة . قال : فقال له علي (عليه السلام) : إنّي أراك شاباً لا بأس بهبتك ، فهل تقرأ شيئاً من القرآن ؟ قال : نعم ، سورة البقرة ، فقال : فقد وهبت يدك لسورة البقرة . قال : وإنّما منعه أن يقطعه لأنّه لم تقم عليه البيّنة » (١٦).
وهي معتبرة بسند الشيخ ، لا الصدوق فإنّها مرسلة عنده (١٧)، والظاهر أنّها مرسلة البرقي التي ينقلها الشيخ بسنده عنه أيضاً (١٨)؛ لتطابقها مع نقل
(١٥)مباني تكملة المنهاج ١ : ١٧٧.
(١٦)الاستبصار ٤ : ٢٥٢ب ١٤٨، باب أنه لايجوز للإمام أن يعفو إذا حمل إليه وقامت عليه البينة ، ح ٤.
(١٧)من لايحضره الفقيه : باب حدّ السرقة ، ح ٩.
(١٨)تهذيب الأحكام ١٠ : ١٢٧، باب الحدّ في السرقة والخيانة والخلسة ، ح ١٣٣.