فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وبتعبير آخر :هناك حقّان : حقّ المرافعة وسحب المدّعى عليه إلى الحاكم لإثبات الجرم عليه ، وحق نفس الحدّ والعقوبة والجريمة ؛ فإذا لم يكن في الجريمة عدوان على الناس بل مجرّد معصيته للّه كشرب الخمر والزنا كان كلا الحقّين المذكورين للحاكم ، فلو وجد من يزني ويشرب الخمر أقام عليه الحدّ ولم ينتظر من يرفعه إليه ، وإذا كان فيها عدوان على الناس وكانت العقوبة مجعولة لهم كان إقامة الحدّ والمرافعة كلاهما للناس ، فيمكن للمعتدى عليه أن لا يرفع ، كما أنّه لو رفعه إلى الحاكم وثبت الجرم أمكنه أيضاً العفو عن نفس الحدّ والعقوبة كما في القصاص وحدّ القذف ، وإن كان فيها عدوان على الناس ولكن الحدّ والعقوبة لم يجعلا للمعتدى عليه ـ كما في السرقة ـ كان حق المرافعة للناس ، فلا تقبل البيّنة الحسبية ، كما لا يجب على الإمام أن يقيم الحدّ بمجرّد مشاهدة الجريمة وعلمه بها ، ولكن لو رفعه المسروق منه وجب قطعه ، ولم يكن له العفو عنه ؛ لأنّه ليس ملكاً للمسروق منه .
ورواية الحسين بن خالد ناظرة إلى الحق الثاني ؛ أي حق المرافعة في السرقة ، وهو للناس ، بينما صحيح الفضيل ناظر إلى الحق الأول ؛ أي كون الحدّ بنفسه للّه ، فلا تعارض بينهما ، فيكفي في عدم وجوب الإقامة على الحاكم بمجرّد مشاهدته للجريمة أن يكون الحدّ بنحو بحيث يكون للمعتدى عليه ـ وهو المسروق منه ـ العفو عن السارق قبل الرفع إلى الحاكم وإن لم يكن يملكه بعد الرفع ؛ إذ لعلّه يريد العفو لا الرفع إلى الحاكم ، فلابدّ وأنْ يترك للناس ، فلا تعارض بين الروايات من هذه الناحية .
ثمّ إنّ البحث عن عفو الحاكم في الحدود التي هي من حقوق اللّه نورده ضمن جهات :
الجهة الاُولى: لا شكّ أنّ مقتضى إطلاق أدلّة الأمر بإقامة الحدود المستفاد من الآيات ـ كآية حدّ الزنا (٦)والسرقة (٧)ـ والروايات الدالّة عليها عدم جواز ترك الحدّ أو العفو عنه بعد ثبوت موضوعه ، بحيث كلّما شكّ في جواز العفو في مورد ولم يقم عليه دليل خاص كان المرجع تلك العمومات .
(٦) النور : ٢.
(٧) المائد : ٣٨.