فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
الندم والتوبة في سقوط الحدّ ، وهذا قد يحتاج إلى مرور زمان عليه حتى يظهر فيه صلاحه ، ولا يتحقق بمجرّد الندم والإقدام على التطهير .
والدليل على أخذ هذا القيد في سقوط الحدّ بالتوبة وروده في ألسنة الأدلّة ؛ فإنّ الدليل على سقوط الحدّ بالتوبة إن كان مثل قوله تعالى : {فمن تابَ منْ بعدِ ظلمهِ وأصلحَ فإنّ اللّهَ يتوبُ عليه إنَّ اللّهَ غفورٌ رحيمٌ} (٤٠)الوارد عقيب آية قطع يد السارق ، أو مثل قوله تعالى : {فإنْ تابا وأصلَحا فأعرضوا عنهُما} (٤١)الوارد عقيب آية السحق أو الزنا قبل تشريع الحدّ ، فمن الواضح أنّ المستظهر من قيد {وأصلح} إنّما هو ما ذكرناه ؛ فإنّ {أصلح} بمعنى صلح في العمل والاستقامة الخارجية .
وإن كان الدليل على السقوط الروايات الخاصة فالوارد روايتان ، إحداهما صحيح ابن سنان المتقدّم (٤٢)، وهو ظاهر في التوبة والصلاح العملي أيضاً بقرينة ما فيه من التعبير بمجي ء السارق من قبل نفسه تائباً وردّه للسرقة إلى المسروق منه ، فذكر ردّ السرقة إلى صاحبها بعد التوبة كناية عن لزوم الصلاح العملي والاستقامة الفعلية . والاُخرى صحيح جميل ، وهي أيضاً ظاهرة بل صريحة في ذلك ، حيث عبّر فيها : « إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ » (٤٣)، بل في ذيلها ينقل ابن أبي عمير عن جميل لزوم مرور مدّة على توبته ليظهر فيها صلاحه .
فالحاصل :أنّه لا تعارض بين الطائفتين بعد أن كان سقوط الحدّ بالتوبة مشروطاً بظهور صلاحه عملاً ، لا مجرّد التوبة واقعاً الثابتة من خلال إقراره عند الحاكم ، وإن شئت قلت : إنّ لظهور التوبة وصلاحه قبل ثبوت الجرم دخلاً في سقوط الحدّ ، ولا يكفي ظهوره في طول الإقرار به وإن كانت قبله ، فتأمل جيداً .
وأما ما ذهب إليه الشيخ المفيد (قدس سره) من ثبوت حق العفو للإمام بالتوبة حتى في مورد البينة فهو على خلاف صراحة روايات التفصيل بين فرض البينة
(٤٠) المائدة : ٣٩.
(٤١) النساء : ١٦.
(٤٢)الوسائل ١٨ : ٥٣٠، ب ٣١من أبواب حدّ السرقة ، ح ١ .
(٤٣)المصدر السابق : ٣٢٨، ب ١٦من أبواب مقدمات الحدود ، ح ٣ .