هذا قصارى ما يمكن أن يثبت به فتوى المشهور ، فإن تمَّ شيء منه فهو ، وإلاّ كان المتعيّن القول الثالث .
وقد يقال :بوقوع التعارض بين مثل صحيح ابن سنان الدالّ على سقوط الحدّ بالتوبة ولو قبل ثبوته عند الحاكم ، وبين ما دلّ على جواز العفو إذا ثبت الجرم بالإقرار ؛ من جهة أنّ روايات العفو قد ورد جملة منها في مورد ظهور توبة المقرّ قبل إقراره ، حيث كان يطلب بإقراره التطهير ومع ذلك قد أجرى الإمام (عليه السلام) عليه الحدّ في بعض الروايات ، وقد عفا عنه في بعضها الآخر بعنوان الهبة ، ممّا يعني عدم سقوط الحدّ بالتوبة حتى قبل ثبوت الجرم ، وإلاّ لم يكن مجال للعفو ولا لإجراء العقوبة ، فيقع التعارض بين الطائفتين بهذا الاعتبار .
وحمل الطائفة الثانية على صورة عدم إحراز توبة المقرّ قبل إقراره بعيد جدّاً ؛ لمنافاته مع التصريح في موارد بعض تلك الروايات بطلب التطهير من قبل المجرم ، بل وإصراره على ذلك بحيث يعاود الإقرار تلو الإقرار كلّما كان يصرفه الإمام (عليه السلام) ـ كما في قضية المرأة الزانية الواردة في رواية ميثم وغيرها ـ ومع ذلك قد أجرى الإمام (عليه السلام) عليه الحدّ .
هذا مضافاً إلى أنّ احتمال التوبة قبل الإقرار قد يكفي عندئذٍ لسقوط الحدّ من باب درء الحدّ بالشبهة ؛ بناءً على شموله لشبهة الحاكم وعدم اختصاصه بشبهة المرتكب للجريمة حين الارتكاب .
كما أنّ تخصيص إطلاقات سقوط الحدّ بالتوبة قبل ثبوت الجرم بموارد البينة دون الإقرار غير محتمل عرفاً ولا فقهياً ؛ لأنّ الثبوت بالإقرار أولى من البينة في التخفيف وسقوط العقوبة ، كما هو واضح .
وهكذا قد يقال باستحكام التعارض بين الطائفتين .
إلاّ أنّ الصحيح عدم التعارض بينهما ؛ لأنّ المستظهَر من روايات سقوط الحدّ بالتوبة اشتراط ظهور صلاحه واستقامته خارجاً وعملاً ، فلا يكفي مجرّد
الوسائل
١٨ : ٣٧٨، ب
١٦من أبواب حدّ الزنا ، ح
١. وإليك نصّ الرواية :
عن ميثم قال : « أتت امرأة مجحٌ( * ) أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت يا أمير المؤمنين : إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللّه فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الّذي لاينقطع ، فقال لها : ممّا اُطهّرك ؟ فقالت : إنّي زنيت ، فقال لها : أو ذات بعل أنت أم غير ذلك ؟ فقالت : بل ذات بعل ، فقال لها : أفحاضرا كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم غائبا كان عنك ؟ فقالت : بل حاضرا ، فقال لها : انطلقي فضعي ما في بطنك ثمّ ائتيني اُطهّرك ، فلمّا ولّت عنه المرأة فصارت حيث لاتسمع كلامه قال : اللّهم إنّها شهادة فلم يلبث أن أتته فقالت : قد وضعت فطّهرني ، قال : فتجاهل عليها ، فقال : اُطهّرك يا أمة اللّه ممّاذا ؟ فقالت : إنّي زنيت فطهّرني ، فقال : وذات بعل إذ فعلت ما فعلت ؟ قالت : نعم ، قال : وكان زوجك حاضرا أم غائبا ؟ قالت : بل حاضرا ، قال : فانطلقي وارضعيه حولين كاملين كما أمرك اللّه ، قال : فانصرفت المرأة فلمّا صارت من حيث لاتسمع كلامه قال : اللّهم إنّهما شهادتان ، قال : فلمّا مضى حولان أتت المرأة فقالت : قد أرضعته حولين فطهّرني يا أمير المؤمنين ، فتجاهل عليها وقال : اُطهّرك ممّاذا ؟ فقالت : إنّي زنيت فطهّرني ، قال : وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت ؟ فقالت : نعم ، قال : وبعلك غائب عنك إذ فعلت ما فعلت أو حاضر ؟ قالت : بل حاضر ، قال : فانطلقي فاكفليه حتّى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ولا يتهوّر في بئر ، قال : فانصرفت وهي تبكي فلمّا ولّت فصارت حيث لاتسمع كلامه قال : اللّهم إنّها ثلاث شهادات ، قال : فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال لها : مايبكيك يا أمة اللّه وقد رأيتك تختلفين إلى علي تسألينه أن يطهّرك ؟ فقالت : إنّي أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فسألته أن يطهّرني فقال : اكفلي ولدك حتّى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ولا يتهوّر في بئر ، وقد خفت أن يأتي عليّ الموت ولم يطهّرني ، فقال لها عمرو بن حريث : ارجعي إليه فأنا أكفله ، فرجعت فأخبرت أمير المؤمنين (عليه السلام) بقول عمرو ، فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام) : وهو متجاهل عليها ولِمَ يكفل عمرو ولدك ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني ، فقال : وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت ؟ قالت : نعم ، قال : أفغائبا كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضرا ؟ فقالت : بل حاضرا ، قال : فرفع رأسه إلى السماء وقال : اللّهم إنّه قد ثبت لك عليها أربع شهادات ، وإنّك قد قلت لنبيّك (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما أخبرته به من دينك : يامحمّد من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادّتي ، اللّهم فإنّي غير معطّل حدودك ولا طالب مضادّتك ولا مضيّع لأحكامك ، بل مطيع لك ومتّبع سنّة نبيّك (صلى الله عليه و آله و سلم) ، قال : فنظر إليه عمرو بن حريث وكأنّما الرُّمان يفقأ في وجهه ، فلمّا رأى ذلك عمرو قال : يا أمير المؤمنين إنّني إنّما أردت أكفله إذ ظننت أنّك تحبّ ذلك ، فأمّا إذا كرهته فإنّي لست أفعل ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أبعد أربع شهادات باللّه ؟ لتكفلنّه وأنت صاغر ، فصعد أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر فقال : ياقنبر نادِ في الناس الصلاة جامعة ، فنادى قنبر في الناس ، فاجتمعوا حتى غصّ المسجد بأهله ، وقام أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحدّ إن شاء اللّه فعزم عليكم أمير المؤمنين لما خرجتم وأنتم متنكّرون ومعكم أحجاركم لايتعرَّف أحد منكم إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء اللّه ، قال : ثمّ نزل ، فلمّا أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة وخرج الناس متنكّرين متلثّمين بعمائمهم وبأرديتهم والحجارة في أرديتهم وفي أكمامهم حتى انتهى بها والناس معه إلى الظهر بالكوفة ، فأمر أن يحفر لها حفيرة ، ثمّ دفنها فيها ، ثمّ ركب بغلته وأثبت رجليه في غرز الركاب ، ثمّ وضع إصبعيه السبّابتين في اُذنيه ، ثمّ نادى بأعلى صوته : يا أيّها الناس إنّ اللّه تبارك وتعالى عهد إلى نبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عهدا عهده محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إليّ بأنّه لايقيم الحدّ من للّه عليه حدٌّ ، فمن كان عليه حدٌّ مثل ما عليها فلا يقيم عليها الحدّ ، قال : فانصرف الناس يومئذٍ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) ، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحدّ يومئذٍ وما معهم غيرهم » . [الكافي : ٧ : ١٨٦ ـ ١٨٧] .(الف) المجحّ : الحامل المقرب التي دنا ولادها . [النهاية
١ : ٢٤٠] .