فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٢ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
يمكن أن يقال :أمّا في الحدود التي هي حقوق اللّه فيجوز للحاكم الامتناع عن إجراء الحدّ في إحدى حالات ثلاث :
١ ـ حالة التزاحم ، ونريد بها ما إذا شخّص الحاكم مفسدة وضرراً لا يرضى به الشارع يترتّب على تقدير إجراء الحدّ ؛ من قبيل انصراف الناس عن أصل الإسلام ، أو حصول الضعف والانهيار في الحكومة ، أو نشوب الفتنة والحرب بين الدولة الإسلامية ودولة اُخرى بسبب إجراء الحدّ على شخص من رعاياها مثلاً ، إلى غير ذلك من الأمثلة ، وهذا حكم على القاعدة كما في سائر موارد التزاحم .
٢ ـ أن يلزم من إجراء الحدّ الشرعي فوات الغرض والأثر المطلوب منه ، حيث إنّه لا إشكال في كون حدود اللّه زواجر يراد بها إصلاح المجرم وردعه ، وكذلك ردع الآخرين ومنعهم عن التفكير في الإقدام على المعصية ، فإذا لزم من إجراء الحدّ فساد المجرم وابتعاده عن الدين أكثر من السابق ـ كما إذا كان يلزم منه خروجه عن الإسلام مثلاً والتحاقه بالأعداء والمخالفين ـ فإنّه في مثل ذلك قد يقال بأنّه يحق للحاكم الامتناع عن إجراء الحدّ إذا شخّص ذلك ، أو تأخيره إلى زمان آخر ؛ إمّا لانصراف ما دلَّ على أنّ على الإمام أن يقيم الحدود ولا يعطّلها أو يبطلها عن مثل هذه الحالة بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة والمتفاهمة منها عرفاً ، بل قد لا يصدق فيه التعطيل والإبطال ، أو لاستفادة ذلك من مثل معتبرة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) أنّه قال : لا اُقيم على رجل حدّا بأرض العدو حتى يخرج منها ؛ مخافة أن تحمله الحميّة فيلحق بالعدو » (٥٢)، ومعتبرة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لايقام على أحد حدّ بأرض العدو » (٥٣)، حيث دلّتا على أنّه لا يقام الحدّ على أحد في أرض العدو ، وقد علّلته معتبرة غياث بـ « مخافة أن تحمله الحميّة فيلحق بالعدو » . اللّهم إلاّ أن يقال بأنّ المقصود منه تقوية العدو وتضعيف جبهة الحق ، فيكون من التزاحم .
(٥٢)المصدر السابق : ٣١٧، ب ١٠من أبواب مقدمات الحدود ، ح ٢.
(٥٣)المصدر السابق : ح ١ .