فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٣ - عفو الحاكم في العقوبات آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وعلى كل حال ، ففي الرواية دلالة على أنّ للحاكم أن يراعي هذه الخصوصيات في مقام إجراء الحدّ ، وأنّه لو لاحظ مصلحة من هذا القبيل لم يكن تعطيلاً أو إبطالاً له ، ولا خصوصية في أرض العدو بالخصوص ، سيما مع التعليل المذكور .
٣ ـ موارد التعذّر أو تعسّر إقامة الحدّ ولو من جهة حاجة الاُمة إلى التدرّج في تطبيق الأحكام الإسلامية عليهم إذا لم يكن يمكن تطبيقها عليهم دفعة ، كما إذا فرضنا مثلاً قيام دولة إسلامية في احدى الاُمم التي كانت محكومة بأنظمة مضادّة للإسلام ردحاً طويلاً من الزمن حتى ابتعد الناس فيها عن روح الإسلام كجمهوريات آسيا الوسطى ؛ فإنّه لا يمكن بين عشيّة وضحاها إقامة الحدود الإسلامية فيها على كل شارب خمر أو زانٍ أو نحو ذلك ، وإنّما يحتاج إلى مضي فترة زمنية تمهّد فيها المقدّمات والتمهيدات اللازمة فكرياً وإعلامياً وإدارياً لتقبُّل الناس وفهمهم للنظام الإسلامي وعدالة أحكامه المقدَّسة .
فالحاصل :أنّ الحاكم الإسلامي مسؤول عن إقامة حكم اللّه في المجتمع بما يضمن له الثبات والاستحكام والدوام ، فلا بدّ وأن يضع سياسة تنفيذية مناسبة لذلك ، وهذا قد يتوقّف على التدرّج في تطبيق الأحكام وإقامة الحدود الشرعية .
وأمّا الحدود التي هي حقوق الناس كحدّ القذف أو القصاص فهي وإن كانت متروكة للناس إن شاءوا استوفوا وإن شاءوا عفوا إلاّ أنّه مع ذلك يمكن تصوير حق منع الحاكم لهم عن الاستيفاء في إحدى حالتين :
١ ـ حالة التزاحم مع مفسدة مهمة ؛ كما إذا فرضنا أنّ إجراء القصاص على الجاني يستوجب الفتنة والحرب مع دولة يخشى منها ، كما لو كان القاتل من رعاياها مثلاً ، بل قد يكون التزاحم المذكور موجباً لسقوط الحكم التكليفي بجواز الاستيفاء لصاحب الحق أيضاً ، فلا يجوز له القصاص تكليفاً وإن كان من حقه وضعاً ، وأثره عدم ترتّب القصاص عليه لو خالف وقتله ، وإن كان يعزَّر على المخالفة .