فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٤ - الإثبات القضائي ـ الكـتابة الشيخ قاسم الإبراهيمي
بل لم يظهر لنا في جميع روايات كتب الحديث الكثيرة الواردة في الحقوق المالية ما يدلّ على اتّباع الناس طريقة الصكوك هذه إلاّ يسيرا .
والحقّ أن يقال : إنّ الغرض من الأمر بالكتابة الوارد في الآية لا لتكون وسيلة للإثبات مستقلة ، وإلاّ كانت الشهادة لوحدها كافية للإثبات ، بل لما نبّه اللّه تعالى عليه بقوله : {ذلك أقسطُ عندَ اللّهِ وأقومُ للشهادةِ وأدنى ألاّ ترتابوا} (٣٥)الدالّ على أنّ اتّباع الإجراء المذكور يجعل العدل عند اللّه تعالى أقرب للوقوع ، والشهادة أبعد عن السهو والنسيان العارضين بمرور الزمان ، لما توجبه الكتابة من الذكرى والتقويم ، مضافا إلى أنه يزيل الشك من نفس ذي الحقّ ، ويبعد الزيغ من نفس من عليه الحقّ ، فتسود الثقة ، ويستثمر المال ، وتروج المعاملة ، وينتعش السوق .
وربما أمكن الانتصار لهذا الرأي بصحيحة أبي خديجة ـ في حديث ـ أنّ رجلاً كتب إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل دفع إليه رجلان شراءً لهما من رجل فقالا : لاتردّ الكتاب على واحد منّا دون صاحبه ، فغاب أحدهما أو توارى في بيته ، وجاء الذي باع منهما فأنكر الشراء ـ يعني القبالة ـ فجاء الآخر إلى العدل فقال له : أخرج الشراء حتى نعرضه على البيّنة ؛ فإنّ صاحبي قد أنكر البيع منّي ومن صاحبي ، وصاحبي غائب ، ولعلّه قد جلس في بيته يريد الفساد عليّ . فهل يجب على العدل أن يعرض الشراء على البيّنة حتى يشهدوا لهذا ؟ أم لايجوز له ذلك حتى يجتمعا ؟ فوقّع (عليه السلام) : « إذا كان في ذلك صلاح أمر القوم فلا بأس إن شاء اللّه (٣٦)» . فانّه قد يستفاد في أحد محتملاتها الجري على مراجعة القبالة لتذكير الشهود ليشهدوا بما فيها للإدلاء بالشهادة .
بل هو الظاهر من صحيحة عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يشهدني على شهادة فأعرف خطّي وخاتمي ، ولا أذكر من الباقي قليلاً ولا كثيرا ، قال : فقال لي : « إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد لــه (٣٧)» .
(٣٥) البقرة : ٢٨٢.
(٣٦)الوسائل ٢٧ : ٢٩٥ ـ ٢٩٦، أبواب كيفية الحكم ، ب ٢٦، ح٣ . والرواية صحيحة ، فإنّ أبا الجهم وإن لم يوثق صريحا في كتب الرجال لكن الظاهر وثاقته ، لرواية ابن أبي عمير عنه ، وسالم بن مكرم أبو خديجة وإن ضعّفه الشيخ في موضع لكن توثيقه في موضع آخر يجعل ترددا أو اضطرابا في كلامه لايمكن معه التعويل على شيء منه ، فيبقى توثيق النجاشي الباتّ كافيا لإثبات وثاقته .
(٣٧)الوسائل ٢٧ : ٣٢١ ـ ٣٢٢، كتاب الشهادات ، ب٨ ، ح١ . والرواية صحيحة .