المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٣٤
وقد قال بهذا جماعة من السلف، كما روينا من طريق وكيع عن أفلح ابن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: كنا نأتي عائشة أم المؤمنين قبل لادريت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلى هذه الصلاة فتغيظ علينا تغيظا شديدا، ثم قال ليبلغ شاهدكم غائبكم لاصلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتي الفجر) وكذلك هذه القصة في رواية المروزى والدار قطني، وفى رواية ابى داود ان ابن عمر رأى يسارا يصلى فاخبره بالحديث فلا أدرى بعد هذا كيف يضعفه المؤلف بان يسارا مدلس!، وما وصفه بهذا أحد ولو كان مدلسا فالقصة صريحة في أنه سمعه من ابن عمر فزال خوف التدليس. واسناد الحديث كلهم ثقات، وانما اختلفوا في محمد بن الحصين فقال الدارقطني مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، واختلافهم في اسمه هل هو محمد أو أيوب قليل الاثر، فقد رجح أبوجاتم أنه (محمد) وكذلك ابن حجر وقال: (أما ابوه فهو حصين وكنيته أبو أيوب فلعل من سماه أيوب وقع له غير مسمى فسماه بكنية أبيه) وهو قريب جدا. فالضعف في هذه الاسانيد محتمل، وقد جبر بروايته من طرق أخرى. فان الحديث إذا روى من طريقين فيهما ضعف قليل وكان الضعف من قبل سوء الحفظ أو الخطأ في الرواية أيدت احدى الروايتين الاخرى. أما إذا كان الضعف من قبل عدم الوثوق بالراوي لتهمته في العدالة فلا ولا كرامة بل لا يزيده ذلك الا ضعفا. وأما طريق عبد الرحمن بن انعم الافريقى فقد روى المروزى في قيام الليل (ص ٧٩) من طريق عيسى بن يونس والدار قطني (ص ١٦١) والبيهقي (ج ٢: ص ٤٦٥ و ٤٦٦) من طريق سفيان الثوري والبيهقي ايضا (ج ٢: ص ٤٦٥) من طريق ابن وهب كلهم عن الافريقى عن عبد الله بن يزيد أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (لا صلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتي الفجر) وهذا اسناد صحيح على ما رجحناه في الافريقى انه ثقة وقد تأيد بحديث ابن عمر. وأما طريق أبى بكر بن محمد فقد ذكرها ابن حجر في التلخيص (ص ٧١) نقلا عن الطبراني من حديث عبد الرزاق عن ابى بكر بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، ثم قال: (وينظر في سنده) ونقله الزيلعى في نصب الراية (ج ١ ص ١٣٤) عن الطبراني باسناده، ولفظه كلفظ حديث الافريقى. وابو بكر هذا الذى في الاسناد ظن ابن حجر في مختصر نصب الراية أنه ابن أبى سبرة وأنا ارجح هذا لانه معروف بالرواية عن موسى بن عقبة ومن شيوخ عبد الرزاق وهو (أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبى سبرة) وقد ينسب إلى جده وهو ضعيف جدا. وأما طريقا أبى هرون العبدى وكعب بن مرة فلم أجدهما بعد طول التتبع فالله أعلم بهما.