المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٥٢
وقال مالك: لا يبسمل المصلى الا في صلاة التروايح في اول ليلة من الشهر * وقال الشافعي: لا تجزئ صلاة الا ببسم الله الرحمن الرحيم * قال علي: وأكثروا من الاحتجاج بما لا يصح من الآثار، مما لا حجة لاى الطائفتين فيه [١] * مثل الرواية عن أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان قط، ثم ان هذا الخلاف بينهم انما هو في غير الفاتحة، قال امام القراء ابو الخير بن الجزرى في كتاب النشر في القراآت العشر (ج ١ ص ٢٦٢): (ان كلا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدأ سورة من السور بسمل بلا خلاف عن احد منهم الا إذا ابتدا براءة) ثم قال: (لم يكن بينهم خلاف في اثبات البسملة اول الفاتحة سواء وصلت بسورة الناس قبلها أو أبتدئ بها، لانها ولو وصلت لفظا فانها مبتدا بها حكما ولذلك كان الواصل هنا حالا مرتحلا) والحق ان قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة وان كانت من السبعة أو العشرة لان من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف بل هو اتفاق جميع العلماء: وما كان الصحابة رضى الله عنهم ليزيدوا في المصاحف مائة وثلاث عشرة بسملة من غير ان تكون انزلت في المواضع التى كتبت فيها، ولو شككنا في هذا لفتحنا بابا عريضا للملاحدة اللاعبين بالنار، وقد كان الصحابة احرص على كتاب الله من ان يتطرق إليه شك أو وهم، ولذلك جردوا المصاحف من اسماء السور ولم يكتبوا (آمين) وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية ان يتوهم انها زيادة على الكتاب، وصدع بذلك على المنبر. واما من اجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فانه لا دليل له اصلا، والاحاديث التى استدلوا بها بعضها ضعيف وبعضها لا يدل صراحة على ذلك، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في اول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف، وهو الحجة الاولى القاطعة لكل نزاع * وقد حققنا هذا الموضع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزى بما لا تجده في كتاب آخر. والحمد لله رب العالمين.
[١] في الاصل (بما لا حجة لا من الطائفتين فيه) وهو خطأ وغير مستقيم المعنى *