المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٤١
فلا بد في جميع [١] هذه الاوامر من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون وجه ذلك أن يقول: إذا قرأ فأنصتوا إلا عن أم القرآن كما قلنا نحن، وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا إن قرأ الامام كما يقول بعض القائلين، وإما ان يكون وجه ذلك ان يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا ان يجهر الامام كما يقول آخرون * قال علي: فإذ لابد من لاحد هذه الوجوه، فليس بعضها أولى من بعض إلا ببرهان، وأما بدعوى فلا. فنظرنا في ذلك فوجدنا الحديث الذي قد ذكرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انصرف من صلاة الفجر وهى صلاة جهر فقال: (أتقرؤن خلفي؟ قالوا: نعم، هذا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فانه لا صلاة إلا بها) فكان هذا كافيا في تأليف أوامره عليه السلام، لا يسع أحدا الخروج عنه * وقدموه قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن اسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمود بن الربيع عن عبادة، ومرة عن نافع بن محمود بن الربيع عن عبادة * قال علي: وهذا ليس بشئ، لان محمد بن اسحاق أحد الائمة، وثقة الزهري، وفضله على من بالمدينة في عصره، وشعبة، وسفيان، وسفيان [٢] وحماد، وحماد [٣] ويزيد ويزيد [٤] وابراهيم بن سعد وعبد الله بن المبارك وغيرهم، قال فيه شعبة: محمد بن اسحاق أمير المحدثين هو أمير المؤمنين في الحديث [٥]. والعجب أن الطاعنين عليه ههنا هم الذين احتجوا بروايته التي لم يروها غيره في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبى العاصى بالنكاح الاول بعد اسلامه! فإذا روى ما يظنون أنه يوافق تقليدهم صار ثقة وصار حديثه حجة، وإذا روى ما يخالفهم صار مجرحا! وحسبنا الله ونعم الوكيل * وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود ومرة عن نافع بن محمود فهذا قوة للحديث
[١] في الاصلين (فلا بد من جميع) وهو خطأ فيما نرى
[٢] سفيان الثوري، وسفيان ابن عيينة
[٣] حماد بن زيد وحماد بن سلمة
[٤] لعله يريد بهما يزيد بن زريع ويزيد بن هرون وهما ممن روى عن ابن اسحق
[٥] الحق ان ابن اسحق امام ثقة جليل وطعن مالك فيه غير مقبول. وانظر احتجاج البخاري به وذبه عنه في كتابه (القراءة خلف الامام ص ١٣ - و ١٤) *