المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٩٣
كل ما يسمى شفقا * وبرهان قاطع، وهو، أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد وقت العتمة، بأن أوله إذا غاب الشفق وآخره ثلث الليل الاول، وروى أيضا نصف الليل، وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب ودوران الشمس: أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الاول، وهو الذي حد عليه السلام خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الاول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض بلا شك [١]، فإذ ذلك كذلك فلا قول أصلا إلا أنه الحمرة بيقين، إذ قد بطل كونه البياض * واحتج من قلد أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض فنحن على يقين باجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل ذلك فلم نصل بيقين إجماع في الوقت * قال علي: هذا ليس شيئا، لانه إن التزموه أبطل عليهم جمهور مذهبهم فيقال مثل هذا في الوضوء بالنبيذ، وفى الاستنشاق والاستنثار وقراءة أم القرآن والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه مما يبطل الصوم والحج، ومما تجب فيه الزكاة، فيلزمهم أن لا يؤدوا عملا من الشريعة الا حتى لا يختلف اثنان في أنهم قد أدوه كما أمروا، ومع هذا لا يصح لهم من مذهبهم جزء من مائة جزء بلا شك * وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه عليه السلام كان يصلى العتمة
[١] هذه القطعة من أبدع حجج ابن حزم وأمتنها، وقد نقل معناها الشوكاني في نيل الاوطار (ج ١ ص ٤١١) عن شرح الترمذي لابن سيد الناس وانا أظن أنه أخذها عن ابن حزم، ويكاد يكون لفظهما متحدا