المباني في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - السيد محمد تقي الخوئي - الصفحة ١٥٧
بصحته. وهذا بخلاف المكره، حيث يستند العقد إليه من حين وقوعه، فيقال: باع فلان داره مكرهاً، أو اشترى كذلك.
ومن هنا فإذا كان العقد المنتسب إليه حين وقوعه محكوماً بالفساد ، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل ، وحيث لا دليل عليها في المقام يحكم بفساده لا محالة .
وفيه : أن دليل الفساد في المقام لا يدلّ عليه بنحو الإطلاق ، وإنما هو يقتضيه ما دام الموضوع ـ أعني كون العاقد مكرهاً ـ موجوداً ، فإذا ارتفع هذا العنوان وانتفى هذا الموضوع حكم بصحّة العقد لا محالة ، إذ العقد ليس هو الإيجاب والقبول كي يقال إنه أمر حادث وقد انعدم فلا مجال للحكم بصحته ، وإنما هو الالتزام بالاعتبار عن الرضا والاختيار . فإذا لم يكن ذلك مشمولاً لعموم أدلة نفوذ العقد ابتداءً ، لكونه مشمولاً لأدلّة فساد عقد المكره ، لم يمنع ذلك من الحكم بصحته استمراراً ، بعد ارتفاع العنوان الموجب لانتفاء شمول دليل الفساد له ، فتشمله أدلّة النفوذ لا محالة .
توضيح ذلك : أن دليل الفساد في عقد المكره قاصر عن إثبات الفساد حتى في فرض الرضا بالعقد بعد ذلك ، فإنّ حديث الرفع وارد مورد الامتنان ، فلا يقتضي إلاّ الحكم بفساده ما دام الإكراه باقياً ، فإذا ارتفع ذلك حكم بصحته ، لارتفاع المقتضي وكون بقاء الحكم بالبطلان منافياً للامتنان .
ولأجل هذا ذكرنا في محله أن هذا الحكم لا يجري في مورد الاضطرار ، فيحكم بصحّة عقد المضطر وترتب جميع الأحكام الوضعية عليه ، نظراً إلى أن الحكم بالبطلان لحديث الرفع موجب لوقوع المكلف في المشقة الشديدة ، وهو مناف للامتنان .
لا يقال : إنّ هذا الكلام وإن تمّ في الزواج ونحوه ، حيث كان الدليل على فساده في صورة الإكراه هو حديث نفي الإكراه ، إلاّ أنه لا يتمّ في مثل البيع ونحوه ، مما يكون الدليل على فساده قصور دليل الصحّة من الأوّل لكونه مقيداً بالتراضي ، على ما دلّت عليه الآية المباركة [١] بناءً على كون الاستثناء فيها متصلاً ، فإنّ مقتضاه هو الحكم
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] سورة النساء ٤ : ٢٩ .