نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة(ع) - الطبري الصغير، محمد بن جرير - الصفحة ٢٨ - مع القرآن الكريم المعجزة الخالدة
و لا بأس بلفت النظر إلى أنّ ابن كثير مع أنّه متحامل في كثير من الأشياء، حاول التشكيك في هذه المسألة، لكنّه لمّا علم أنّ مثل هذا التشكيك خلاف ما عليه في الأخبار المعتبرة عاد في تفسيره فشكّك بنفس تشكيكه؛ فقد قال:
قلت: و قول القاسم بن الفضل الحدانيّ أنّه حسب مدّة بني أميّة فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما و لا تنقص، ليس بصحيح فإنّ معاوية بن أبي سفيان استقل بالملك حين سلّم إليه الحسن بن عليّ الإمرة سنة أربعين، و اجتمعت البيعة لمعاوية، و سمّي ذلك عام الجماعة، ثمّ استمرّوا فيها متتابعين بالشام و غيرها لم تخرج عنهم إلّا مدّة دولة عبد اللّه بن الزبير في الحرمين و الأهواز و بعض البلاد قريبا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلّيّة، بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العبّاس الخلافة في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، فيكون مجموع مدّتهم اثنتين و تسعين سنة، و ذلك أزيد من ألف شهر فإنّ الألف شهر عبارة عن ثلاث و ثمانين سنة و أربعة أشهر، و كأنّ القاسم بن الفضل أسقط من مدّتهم أيام ابن الزبير و على هذا فيقارب ما قاله الصحّة في الحساب، و اللّه أعلم [١]. فتأمّل في تراجعه المضحك.
و على أيّ حال فما نريد قوله من ذلك هو أنّ القرآن ليس هو المعجزة الظاهرة الفريدة التي حارب الرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بها من أجل كلمة اللّه العليا، و لنا أن نقول:
إنّ القرآن لا يدور الإعجاز الذي فيه على كونه غاية السلامة في التركيب الأدبي، و قمّة الفصاحة فقط، بحيث يعجز البشر عن أن يأتوا بمثله، فقد اتّضح لنا أنّه علاوة على ذلك يدور على عنصر آخر، و هو عنصر الغيب الذي فيه، و هنا لا بدّ من التنبيه على أنّ الغيب الذي في القرآن ليس لأحد أن يجزم فيه سوى المعصوم؛ فلقد
[١] تفسير ابن كثير ٤: ٥٦٦.