موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٤١٩ - ٤٧٠- من محاورة بين الحسين
و إن اجتمع الناس على غيرك حمدت اللّه على ذلك و سكتّ و لزمت منزلك، فإني خائف عليك أن تدخل مصرا من الأمصار، أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك، و طائفة عليك، فتقتل بينهم. (و في رواية مثير الأحزان للجواهري، ص ٧): «فيقتتلوا فتكون لأول الأسنة غرضا، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا و أبا و أما، أضيعها دما و أذلها أهلا». فقال له الحسين (عليه السلام): يا أخي فإلى أين أذهب؟. قال: تخرج إلى مكة، فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك الّذي تحب، و إن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنهم أنصار جدك و أبيك و أخيك، و هم أرأف و أرقّ قلوبا و أوسع الناس بلادا و أرجحهم عقولا، فإن اطمأنّت بك أرض اليمن فذاك، و إلا لحقت بالرمال و شعوب الجبال (و في رواية: شعب الجبال، أي رؤوسها)، و صرت من بلد إلى بلد، حتّى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس، و يحكم اللّه بيننا و بين القوم الفاسقين. (و في رواية تتمة ذلك): «فإنك أصوب ما تكون رأيا و أحزمه عملا، حتّى تستقبل الأمور استقبالا، و لا تكون الأمور أبدا أشكل عليك منها حين تستدبرها استدبارا [١]». فقال له الحسين (عليه السلام): يا أخي و الله لو لم يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقد قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «اللهم لا تبارك في يزيد». فقطع محمّد الكلام و بكى، فبكى معه الحسين ساعة، ثم قال:
يا أخي جزاك اللّه عني خيرا، فلقد نصحت و أشرت بالصواب، و أرجو أن يكون رأيك موفقا مسددا، و أنا عازم على الخروج إلى مكة، و قد تهيأت لذلك أنا و إخوتي و بنو أخي و شيعتي، ممن أمرهم أمري و رأيهم رأيي. و أما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم في المدينة، فتكون لي عينا عليهم، و لا تخف عليّ شيئا من أمورهم [٢].
و قام من عند ابن الحنفية و دخل المسجد و هو ينشد:
لا ذعرت السّوام في فلق الصب * * * ح مغيرا و لا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيما * * * و المنايا يرصدنني أن أحيدا
و سمعه أبو سعيد المقبري، فعرف أنه يريد أمرا عظيما.
[١] مقتل المقرم، ص ١٥٠ نقلا عن تاريخ الطبري، ج ٦ ص ١٩١؛ و كامل ابن الأثير، ج ٤ ص ٧؛ و المناقب لابن شهراشوب، ج ٣ ص ٢٤٠؛ و شبيه هذا الكلام في مقتل أبي مخنف، ص ١٤.
[٢] مقتل المقرم، ص ١٥٠ عن مقتل محمّد بن أبي طالب. و اعتذر العلامة الحلي عنه بالمرض، و ابن نما الحلي عنه بقروح أصابته، و لم يذكر أرباب المقاتل هذا العذر.