موسوعة كربلاء - لبيب بيضون - الصفحة ٢٩٥ - ٢٩٦- أسرار شهادة الحسين
الديانات و قامت الثورة بعد قتلهم بين تابعيهم ضد الأعداء، كما وقع مكررا في بني إسرائيل، و قصة يحيى من أعظم الحوادث التاريخية، و معاملة اليهود مع المسيح لم ير نظيرها إلى ذلك العهد، و لكن واقعة الحسين (عليه السلام) فاقت الجميع ... لم يرشدنا التاريخ إلى أحد من الروحانيين و أرباب الديانات أنه أقدم على قتل نفسه عالما عامدا لمقاصد عالية لا تنجح إلا بقتله، فإن كل واحد من أرباب الديانات الذين قتلوا، ثار عليهم أعداؤهم و قتلوهم ظلما، و بمقدار مظلوميتهم قامت الثورة بعدهم، و مقاصد الحسين (عليه السلام) كانت على علم و حكمة و سياسة و ليس لها نظير في التاريخ، فإنه لم يزل يوالي السعي في تهيئة أسباب قتله نظرا لذلك المقصد العالي، و لم نجد في التاريخ رجلا ضحّى بحياته عالما عامدا لترويج ديانته من بعده إلا الحسين (عليه السلام).
المصائب التي تحمّلها الحسين (عليه السلام) في طريق إحياء دين جده تفوق على مصائب أرباب الديانات السابقين، و لم ترد على أحد منهم. نعم إن هناك رجالا قتلوا في طريق إحياء الدين و لكنهم لم يكونوا كالحسين، فإنه ضحّى بنفسه العزيزة في طريق إحياء دين جده و فداه بأولاده و إخوانه و أقربائه و أحبابه و أمواله و عياله، و لم تقع هذه المصائب دفعة واحدة حتى تكون في حكم مصيبة واحدة، بل وقعت متوالية واحدة بعد أخرى، و يختص الحسين (عليه السلام) دون غيره بتواتر أمثال هذه المصائب كما يشهد له التاريخ.
لم تنته المصائب التي وردت على الحسين (عليه السلام) من قتله و قتل أصحابه و تسيير نسائه و بناته، إلا وانكشف الغطاء عن سرائر بني أمية و قبائح أعمالهم، و ظهرت بين المسلمين الحسيات السياسية، و توطدت أسباب الثورة ضد سلطنة يزيد و بني أمية، و علم الجميع أن بني أمية مخربو الإسلام، و صار الجميع يرفض بدعهم و تقولاتهم، و عرفوا بالظلم و الغصب، بالعكس من بني هاشم فإنهم عرفوا بالمظلومية و أن لهم الرئاسة الروحانية بالاستحقاق، و إليهم تنمى الحقيقة الروحانية.
كأن المسلمين بعد قتل الحسين (عليه السلام) قد دخلوا في دور جديد و ظهرت الروحانية الإسلامية بأجلى مظاهرها و تجددت بعد أن كانت مندرسة غائبة عن أذهان المسلمين ... و كما أنه لا يشك اثنان في تفوق مصائب الحسين (عليه السلام) على جميع مصائب روحاني السلف، فكذلك لا يشك في الثورة التي حدثت بعده بأنها فاقت جميع الثورات السالفة و أن امتدادها و أثرها أكثر، و أن بها ظهرت للعالم (مظلومية