مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢١٢ - رسالته
قصّة موسى (عليه السلام): «فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» و قول موسى: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ». أي اختبارك. فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض و يشهد بعضها لبعض.
و أمّا آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله: لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ*، و قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، و قوله: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ، و قوله:
خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، و قوله: وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ، و قوله: وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.
و كلّ ما في القرآن من بلوى هذه الآيات الّتي شرح أوّلها فهي اختبار و أمثالها في القرآن كثيرة. فهي إثبات الاختبار و البلوى: إنّ اللّه جلّ و عزّ لم يخلق الخلق عبثا و لا أهملهم سدى و لا أظهر حكمته لعبا و بذلك أخبر في قوله: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً. فإن قال قائل: فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتّى اختبرهم؟ قلنا: بلى؛ قد علم ما يكون منهم قبل كونه و ذلك قوله وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ.
و إنّما اختبرهم ليعلمهم عدله و لا يعذّبهم إلّا بحجّة بعد الفعل، و قد أخبر بقوله:
وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا و قوله: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. و قوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ. فالاختبار من اللّه بالاستطاعة الّتي ملّكها عبده و هو القول بين الجبر و التّفويض. و بهذا نطق القرآن و جرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله).
فإن قالوا: ما الحجّة في قول اللّه: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ* و يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ* و ما أشبهها؟ قيل: مجاز هذه الآيات كلّها على معنيين: أمّا أحدهما فإخبار عن قدرته أي إنّه قادر على هداية من يشاء و ضلال من يشاء و إذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب و لا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب، و المعنى الآخر أنّ الهداية منه تعريفه.
كقوله: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أي عرّفناهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فلو