مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٠٧ - رسالته
سائرون، و في مقامكم و أنتم مقيمون، و في انصرافكم و أنتم منصرفون و لم تكونوا في شيء من اموركم مكرهين و لا إليه مضطرّين، لعلّك ظننت أنّه قضاء حتم و قدر لازم، لو كان ذلك كذلك لبطل الثّواب و العقاب و لسقط الوعد و الوعيد و لما ألزمت الأشياء أهلها على الحقائق.
ذلك مقالة عبدة الأوثان و أولياء الشّيطان، إنّ اللّه جلّ و عزّ أمر تخييرا و نهى تحذيرا و لم يطع مكرها و لم يعص مغلوبا و لم يخلق السّماوات و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظنّ الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النّار فقام الشّيخ فقبّل رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنشأ يقول:
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته * * * يوم النّجاة من الرّحمن غفرانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * * * جزاك ربّك عنّا فيه رضوانا
فليس معذرة في فعل فاحشة * * * قد كنت راكبها ظلما و عصيانا
فقد دلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على موافقة الكتاب و نفي الجبر و التّفويض اللّذين يلزمان من دان بهما و تقلّدهما الباطل و الكفر و تكذيب الكتاب و نعوذ باللّه من الضّلالة و الكفر، و لسنا ندين بجبر و لا تفويض لكنّا نقول بمنزلة بين المنزلتين و هو الامتحان و الاختبار بالاستطاعة الّتي ملّكنا اللّه و تعبّدنا بها على ما شهد به الكتاب و دان به الأئمّة الأبرار من آل الرّسول (صلوات الله عليهم).
مثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا و ملك مالا كثيرا أحبّ أن يختبر عبده على علم منه بما يئول إليه، فملّكه من ماله بعض ما أحبّ و وقفه على امور عرّفها العبد فأمره أن يصرف ذلك المال فيها و نهاه عن اسباب لم يحبها و تقدّم إليه ان يجتنبها و لا ينفق من ماله فيها، و المال يتصرّف في أيّ الوجهين.
فصرف المال أحدهما في اتّباع أمر المولى و رضاه، و الآخر صرفه في اتّباع نهيه و سخطه. و أسكنه دار اختبار أعلمه أنّه غير دائم له السّكنى في الدّار و أنّ له دارا غيرها و هو مخرجه إليها، فيها ثواب و عقاب دائمان، فإن أنفذ العبد المال الّذي ملّكه مولاه في