مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٠٤ - رسالته
المالك و بعثه في بعض حوائجه و سمّى له الحاجة فخالف على مولاه و قصد لارادة نفسه و اتّبع هواه، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال له:
لم أتيتني بخلاف ما أمرتك؟ فقال العبد: اتّكلت على تفويضك الأمر إليّ فاتّبعت هواي و إرادتي، لانّ المفوّض إليه غير محظور عليه فاستحال التّفويض.
أو ليس يجب على هذا السّبب إمّا أن يكون المالك للعبد قادرا يأمر عبده باتّباع أمره و نهيه على إرادته لا على إرادة العبد و يملّكه من الطّاقة بقدر ما يأمره به و ينهاه عنه، فإذا أمره بأمر و نهاه عن نهي عرّفه الثّواب و العقاب عليهما، و حذّره و رغّبه بصفة ثوابه و عقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملّكه من الطّاقة لأمره و نهيه و ترغيبه و ترهيبه، فيكون عدله و إنصافه شاملا له و حجّته واضحة عليه للإعذار و الإنذار فإذا اتّبع العبد أمر مولاه جازاه و إذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه أو يكون عاجزا غير قادر ففوّض أمره إليه أحسن أم أساء أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته و ردّه إلى اتّباع أمره.
و في إثبات العجز نفي القدرة و التّألّه و إبطال الأمر و النّهي و الثّواب و العقاب و مخالفة الكتاب إذ يقول: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ و قوله عزّ و جلّ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ و قوله: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ و قوله:
اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً و قوله: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ* ... وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ.
فمن زعم أنّ اللّه تعالى فوّض أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز و أوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير و شرّ و أبطل أمر اللّه و نهيه و وعده و وعيده، لعلّة ما زعم أنّ اللّه فوّضها إليه لأنّ المفوّض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الإيمان كان غير مردود عليه و لا محظور، فمن دان بالتّفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده و وعيده و أمره و نهيه و هو من أهل هذه الآية أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ