مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٠٣ - رسالته
كتابه: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ».
و قال جلّ ذكره: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ. و قال: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ. فهذه آيات محكمات تنفي الجبر و من دان به. و مثلها في القرآن كثير، اختصرنا ذلك لئلّا يطول الكتاب و باللّه التّوفيق.
و أمّا التّفويض الّذي أبطله الصّادق (عليه السلام) و أخطأ من دان به و تقلّده فهو قول القائل: إنّ اللّه جلّ ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم. و في هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره و دقّته. و إلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فانّهم قالوا: لو فوّض إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا منه الثّواب و لم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا. و تنصرف هذه المقالة على معنيين:
إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحبّ فقد لزمه الوهن، أو يكون جلّ و عزّ عجز عن تعبّدهم بالأمر و النّهي على إرادته كرهوا أو أحبّوا ففوّض أمره و نهيه إليهم و أجراهما على محبّتهم، إذ عجز عن تعبّدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الإيمان و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند أمره و نهيه، و ادّعى مالك العبد أنّه قاهر عزيز حكيم.
فأمر عبده و نهاه و وعده على اتّباع أمره عظيم الثّواب و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه، فأيّ أمر أمره أو أيّ نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى بل كان العبد يتّبع ارادة نفسه و اتّباع هواه و لا يطيق المولى أن يردّه إلى اتّباع أمره و نهيه و الوقوف على إرادته.
ففوّض اختيار أمره و نهيه إليه و رضي منه بكلّ ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة