مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٠١ - رسالته
فقال الصّادق (عليه السلام): هو أعدل من ذلك. فقيل له: فهل فوّض إليهم؟
فقال (عليه السلام): هو أعزّ و أقهر لهم من ذلك. و روي عنه أنّه قال: النّاس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه فقد وهّن اللّه في سلطانه فهو هالك.
و رجل يزعم أنّ اللّه جلّ و عزّ أجبر العباد على المعاصي و كلّفهم ما لا يطيقون فقد ظلم اللّه في حكمه فهو هالك. و رجل يزعم أنّ اللّه كلّف العباد ما يطيقون و لم يكلّفهم ما لا يطيقون.
فإذا أحسن حمد اللّه و إذا أساء استغفر اللّه فهذا مسلم بالغ، فأخبر (عليه السلام) أنّ من تقلّد الجبر و التّفويض و دان بهما فهو على خلاف الحقّ. فقد شرحت الجبر الّذي من دان به يلزمه الخطأ، و أنّ الّذي يتقلّد التّفويض يلزمه الباطل، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما.
ثمّ قال (عليه السلام): و أضرب لكلّ باب من هذه الأبواب مثلا يقرّب المعنى للطّالب و يسهّل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آيات الكتاب و تحقّق تصديقه عند ذوي الألباب و باللّه التّوفيق و العصمة.
فأمّا الجبر الّذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم أنّ اللّه جلّ و عزّ أجبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلّم اللّه في حكمه و كذّبه و ردّ عليه قوله: «وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً». و قوله: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ». و قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ». مع آي كثيرة في ذكر هذا.
فمن زعم أنّه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على اللّه و قد ظلّمه في عقوبته، و من ظلّم اللّه فقد كذّب كتابه، و من كذّب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الامّة، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه و لا يملك عرضا من عرض الدّنيا و يعلم مولاه ذلك منه.
فأمره على علم منه بالمصير إلى السّوق لحاجة يأتيه بها و لم يملّكه ثمن ما يأتيه به من