تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٩١ - ذكر الخبر عن بعض سيره
لا يقوم رجل هذا المقام الا اوجعت ظهره، و اطلت حبسه ثم قال: خذه إليك يا ربيع، قال: فوثقنا له بالنجاة- و كانت العلامة فيه إذا اراد بالرجل مكروها قال: خذه إليك يا مسيب- قال: ثم رجع في خطبته من الموضع الذى كان قطعه، فاستحسن الناس ذلك منه، فلما فرغ من الصلاة دخل القصر، و جعل عيسى بن موسى يمشى على هينته خلفه، فأحس به ابو جعفر، فقال: ابو موسى؟ فقال: نعم يا امير المؤمنين، قال: كأنك خفتنى على هذا الرجل! قال: و الله لقد سبق الى قلبي بعض ذلك، الا ان امير المؤمنين اكثر علما، و اعلى نظرا من ان ياتى في امره الا الحق، فقال: لا تخفنى عليه فلما جلس قال: على بالرجل، فاتى به، فقال: يا هذا، انك لما رأيتني على المنبر، قلت، هذا الطاغيه لا يسعني الا ان اكلمه، و لو شغلت نفسك بغير هذا لكان امثل لك، فاشغلها بظماء الهواجر، و قيام الليل، و تغبير قدميك في سبيل الله، انطه يا ربيع أربعمائة درهم، و اذهب فلا تعد.
و ذكر عن عبد الله بن صاعد، مولى امير المؤمنين انه قال: حج المنصور بعد بناء بغداد، فقام خطيبا بمكة، فكان مما حفظ من كلامه: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ»، امر مبرم، و قول عدل، و قضاء فصل، و الحمد لله الذى افلج حجته، و بعدا للقوم الظالمين، الذين اتخذوا الكعبه عرضا، و الفيء ارثا، و جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ، اهملهم الله حتى بدلوا السنه، و اضطهدوا العترة، و عندوا و اعتدوا، و استكبروا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ثم اخذهم، ف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً! و ذكر الهيثم بن عدى، عن ابن عياش، قال: ان الاحداث لما تتابعت