تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٩٧ - شخوص على بن عيسى الى حرب المأمون
اما بعد، فقد انتهى الى كتاب امير المؤمنين منكرا لآبائى منزله تهضمني بها، و ارادنى على خلاف ما يعلم من الحق فيها، و لعمري ان لو رد امير المؤمنين الأمر الى النصفه فلم يطالب الا بها، و لم يوجب نكره على تركها، لانبسطت بالحجه مطالع مقالته، و لكنت محجوجا بمفارقه ما يجب من طاعته، فاما و انا مذعن بها و هو على ترك أعمالها، فاولى به ان يدير الحق في امره، ثم يأخذ به، و يعطى من نفسه، فان صرت الى الحق فرغت عن قلبه، و ان أبيت الحق قام الحق بمعذرته و اما ما وعد من بر بطاعته، و اوعد من الوطأة بمخالفته، فهل احد فارق الحق في فعله فابقى للمستبين موضع ثقه بقوله! و السلام.
قال: و كتب الى على بن عيسى لما بلغه ما عزم عليه:
اما بعد، فإنك في ظل دعوه لم تزل أنت و سلفك بمكان ذب عن حريمها، و على العنايه بحفظها و رعاية لحقها، توجبون ذلك لأئمتكم، و تعتصمون بحبل جماعتكم، و تعطون بالطاعة من انفسكم، و تكونون يدا على اهل مخالفتكم، و حزبا و أعوانا لأهل موافقتكم، تؤثرونهم على الآباء و الأبناء، و تتصرفون فيما تصرفوا فيه من منزله شديده و رجاء، لا ترون شيئا ابلغ في صلاحكم من الأمر الجامع لالفتكم، و لا احرى لبواركم مما دعا الى شتات كلمتكم، ترون من رغب عن ذلك جائرا عن القصد و عن أمه على منهاج الحق، ثم كنتم على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله، فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة، و جزرا جامده، قد سفت الرياح في وجهه، و تداعت السباع الى مصرعه، غير ممهد و لا موسد قد صار الى أمه، و غير عاجل حظه، ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك، بحيث انزلتم انفسكم، من الثقه بكم في أمورها، و التقدمه في آثارها، و أنت مستشعر دون كثير من ثقاتها و خاصتها، حتى بلغ الله بك في نفسك ان كنت قريع اهل دعوتك، و العلم القائم بمعظم امر ائمتك، ان قلت: ادنوا دنوا و ان اشرت: أقبلوا أقبلوا و ان امسكت وقفوا و أقروا، وئاما لك و استنصاحا، و تزداد نعمه مع الزيادة في نفسك، و يزدادون نعمه مع الزيادة لك بطاعتك، حتى حللت المحل الذى