تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٧ - وصيه طاهر الى ابنه عبد الله
و لا تدخلن في مشورتك اهل الدقة و البخل، و لا تسمعن لهم قولا، فان ضررهم اكثر من منفعتهم، و ليس شيء اسرع فسادا لما استقبلت في امر رعيتك من الشح و اعلم انك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ، قليل العطية، و إذا كنت كذلك لم يستقم لك امرك الا قليلا، فان رعيتك انما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم و ترك الجور عنهم، و يدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم و حسن العطية لهم، فاجتنب الشح، و اعلم انه أول ما عصى به الإنسان ربه، و ان العاصي بمنزله خزى، و هو قول الله عز و جل: «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*»، فسهل طريق الجود بالحق، و اجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا و نصيبا، و ايقن ان الجود من افضل اعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقا، و ارض به عملا و مذهبا.
و تفقد امور الجند في دواوينهم و مكاتبهم، و ادرر عليهم أرزاقهم، و وسع عليهم في معايشهم، ليذهب بذلك الله فاقتهم، و يقوم لك امرهم، و يزيد به قلوبهم في طاعتك و امرك خلوصا و انشراحا، و حسب ذي سلطان من السعادة ان يكون على جنده و رعيته رحمه في عدله و حيطته و انصافه و عنايته و شفقته و بره و توسعته، فزايل مكروه احدى البليتين باستشعار تكمله الباب الآخر، و لزوم العمل به تلق ان شاء الله نجاحا و صلاحا و فلاحا.
و اعلم ان القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شيء من الأمور، لأنه ميزان الله الذى تعتدل عليه الاحوال في الارض، و باقامه العدل في القضاء و العمل، تصلح الرعية، و تامن السبل، و ينتصف المظلوم، و يأخذ الناس حقوقهم و تحسن المعيشة، و يؤدى حق الطاعة، و يرزق الله العافيه و السلامة، و يقوم الدين، و تجرى السنن و الشرائع، و على مجاريها ينتجز الحق و العدل في القضاء.
و اشتد في امر الله، و تورع عن النطف و امض لإقامة الحدود، و اقلل العجله، و ابعد من الضجر و القلق، و اقنع بالقسم، و لتسكن ريحك، و يقر جدك، و انتفع بتجربتك، و انتبه في صمتك، و اسدد في منطقك، و انصف الخصم،