تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٥٦ - ذكر بعض اخبار المأمون و سيره
و ذكر ابو موسى هارون بن محمد بن اسماعيل بن موسى الهادي ان على ابن صالح حدثه، قال: قال لي المأمون يوما: ابغنى رجلا من اهل الشام، له ادب، يجالسنى و يحدثني، فالتمست ذلك فوجدته، فدعوته فقلت له:
انى مدخلك على امير المؤمنين، فلا تسأله عن شيء حتى يبتدئك، فانى اعرف الناس بمسالتكم يا اهل الشام، فقال: ما كنت متجاوزا ما أمرتني به.
فدخلت على المأمون، فقلت له: قد اصبت الرجل يا امير المؤمنين، فقال:
ادخله، فدخل فسلم، ثم استدناه- و كان المأمون على شغله من الشراب- فقال له: انى أردتك لمجالستى و محادثنى، فقال الشامي: يا امير المؤمنين، ان الجليس إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضه، قال: فامر المأمون ان يخلع عليه، قال: فدخلني من ذلك ما الله به اعلم، قال: فلما خلع عليه، و رجع الى مجلسه، قال: يا امير المؤمنين، ان قلبي إذا كان متعلقا بعيالي لم تنتفع بمحادثتى، قال: خمسون ألفا تحمل الى منزله، ثم قال: يا امير المؤمنين، و ثالثه، قال: و ما هي؟ قال: قد دعوت بشيء يحول بين المرء و عقله، فان كانت منى هنه فاغتفرها، قال: و ذاك! قال على: فكان الثالثه جلت عنى ما كان بي.
و ذكر ابو حشيشه محمد بن على بن اميه بن عمرو، قال: كنا قدام امير المؤمنين المأمون بدمشق، فغنى علويه:
برئت من الاسلام ان كان ذا الذى* * * أتاك به الواشوان عنى كما قالوا
و لكنهم لما رأوك سريعه* * * الى، تواصوا بالنميمة و احتالوا
فقال: يا علويه، لمن هذا الشعر؟ فقال: للقاضي، قال: اى قاض ويحك! قال: قاضى دمشق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله، قال: قد عزلته، قال: فيحضر الساعة قال: فاحضر شيخ مخضوب قصير، فقال له المأمون: من تكون؟ قال: فلان ابن فلان الفلاني، قال: تقول الشعر؟
قال: قد كنت اقوله، فقال: يا علويه، انشده الشعر، فانشده، فقال: