تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٨ - وصيه طاهر الى ابنه عبد الله
وقف عند الشبهه، و ابلغ في الحجه، و لا يأخذك في احد من رعيتك محاباه و لا محاماة، و لا لوم لائم، و تثبت و تان، و راقب و انظر، و تدبر و تفكر، و اعتبر، و تواضع لربك، و اراف بجميع الرعية، و سلط الحق على نفسك، و لا تسرعن الى سفك دم- فان الدماء من الله بمكان عظيم- انتهاكا لها بغير حقها و انظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعية، و جعله الله للإسلام عزا و رفعه، و لأهله سعه و منعه، و لعدوه و عدوهم كبتا و غيظا، و لأهل الكفر من معاهدتهم ذلا و صغارا، فوزعه بين اصحابه بالحق و العدل، و التسوية و العموم فيه، و لا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه، و عن غنى لغناه، و لا عن كاتب لك، و لا احد من خاصتك، و لا تأخذن منه فوق الاحتمال له، و لا تكلفن امرا فيه شطط و احمل الناس كلهم على مر الحق، فان ذلك اجمع لالفتهم و الزم لرضا العامه و اعلم انك جعلت بولايتك خازنا و حافظا و راعيا، و انما سمى اهل عملك رعيتك، لأنك راعيهم و قيمهم، تأخذ منهم ما اعطوك من عفوهم و مقدرتهم، و تنفقه في قوام امرهم و صلاحهم، و تقويم اودهم، فاستعمل عليهم في كور عملك ذوى الرأي و التدبير و التجربه و الخبره بالعمل و العلم بالسياسة و العفاف، و وسع عليهم في الرزق، فان ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت و اسند إليك، و لا يشغلنك عنه شاغل، و لا يصرفنك عنه صارف، فإنك متى آثرته و قمت فيه بالواجب استدعيت به زياده النعمه من ربك، و حسن الاحدوثه في اعمالك، و احترزت النصيحه من رعيتك، و اعنت على الصلاح، فدرت الخيرات ببلدك، و فشت العمارة بناحيتك، و ظهر الخصب في كورك، فكثر خراجك، و توفرت أموالك، و قويت بذلك على ارتباط جندك، و إرضاء العامه باقامه العطاء فيهم من نفسك، و كنت محمود السياسة، مرضى العدل في ذلك عند عدوك، و كنت في امورك كلها