تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٨٤ - ذكر الخبر عن بعض سيره
و ذكر على بن محمد المدائني انه قدم على ابى جعفر المنصور- بعد انهزام عبد الله بن على و ظفر المنصور به، و حبسه اياه ببغداد- وفد من اهل الشام فيهم الحارث بن عبد الرحمن، فقام عده منهم فتكلموا، ثم قام الحارث ابن عبد الرحمن، فقال اصلح الله امير المؤمنين! انا لسنا وفد مباهاه، و لكنا وفد توبه، و انا ابتلينا بفتنه استفزت كريمنا، و استخفت حليمنا، فنحن بما قدمنا معترفون، و مما سلف منا معتذرون، فان تعاقبنا فيما أجرمنا، و ان تعف عنا فبفضلك علينا، فاصفح عنا إذ ملكت، و امنن إذ قدرت، و احسن إذ ظفرت، فطالما احسنت! قال ابو جعفر: قد فعلت.
و ذكر عن الهيثم بن عدى عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعانى المنصور بعد موت مولاى، فقال: يا زيد، قلت: لبيك يا امير المؤمنين، قال: كم خلف ابو زيد من المال؟ قلت: الف دينار او نحوها، قال:
فأين هي؟ قلت: أنفقتها الحره في ماتمه قال: فاستعظم ذلك، و قال: انفقت الحره في ماتمه الف دينار! ما اعجب هذا! ثم قال: كم خلف من البنات؟
قلت: ستا، فاطرق مليا ثم رفع راسه، و قال: اغد الى باب المهدى، فغدوت فقيل لي: ا معك بغال؟ فقلت: لم اومر بذلك و لا بغيره، و لا ادرى لم دعيت! قال: فأعطيت ثمانين و مائه الف دينار، و امرت ان ادفع الى كل واحده من بنات عيسى ثلاثين الف دينار ثم دعانى المنصور، فقال: اقبضت ما امرنا به لبنات ابى زيد؟ قلت: نعم يا امير المؤمنين، قال: اغد على باكفائهن حتى ازوجهن منهم، قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي و ثلاثة من آل نهيك من بنى عمهن، فزوج كل واحده منهن على ثلاثين الف درهم، و امر ان تحمل اليهن صدقاتهن من ماله، و أمرني ان اشترى بما امر به لهن ضياعا، يكون معاشهن منها، ففعلت ذلك.
و قال الهيثم: فرق ابو جعفر على جماعه من اهل بيته في يوم واحد عشره آلاف درهم، و امر للرجل من أعمامه بألف الف، و لا نعرف خليفه قبله و لا بعده وصل بها أحدا من الناس.
و قال العباس بن الفضل: امر المنصور لعمومته: سليمان، و عيسى،