تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٩ - ذكر خبر البيعه للمهدي و خلع عيسى بن موسى
خلاف ما زين الله به جل و عز من كان قبله، فانه قد سألتهم ابناؤهم، و نازعتهم اهواؤهم، الى مثل الذى هم به امير المؤمنين، فآثروا الحق على ما سواه، و عرفوا ان الله لا غالب لقضائه، و لا مانع لعطائه، و لم يأمنوا مع ذلك تغيير النعم و تعجيل النقم، فآثروا الآجلة، و قبلوا العاقبه، و كرهوا التغيير، و خافوا التبديل، فأظهروا الجميل، فتمم الله لهم أمورهم، و كفاهم ما أهمهم، و منع سلطانهم، و أعز أنصارهم، و كرم أعوانهم، و شرف بنيانهم، فتمت النعم، و تظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر، فتم امر الله و هم كارهون.
و السلام على امير المؤمنين و (رحمه الله).
فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه امسك عنه، و غضب غضبا شديدا، و عاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون، منهم اسد بن المرزبان و عقبه بن سلم و نصر بن حرب بن عبد الله، في جماعه، فكانوا يأتون باب عيسى، فيمنعون من يدخل اليه، فإذا ركب مشوا خلفه و قالوا: أنت البقره التي قال الله:
«فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ»، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور:
يا بن أخي، انا و الله اخافهم عليك و على نفسي، قد اشربوا حب هذا الفتى، فلو قدمته بين يديك فيكون بيني و بينك لكفوا فأجاب عيسى الى ان يفعل.
و ذكر عن إسحاق الموصلى، عن الربيع، ان المنصور لما رجع اليه من عند عيسى جواب كتابه الذى ذكرنا، وقع في كتابه: اسل عنها تنل منها عوضا في الدنيا، و تامن تبعتها في الآخرة.
و قد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قول غير هذين القولين، و ذلك ما ذكره ابو محمد المعروف بالاسوارى بن عيسى الكاتب، قال: اراد ابو جعفر ان يخلع عيسى بن موسى من ولايه العهد، و يقدم المهدى عليه، فأبى ان يجيبه الى ذلك، و أعيا الأمر أبا جعفر فيه، فبعث الى خالد بن برمك، فقال له: كلمه يا خالد، فقد ترى امتناعه من البيعه