تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨ - ذكر خبر البيعه للمهدي و خلع عيسى بن موسى
تُخْفِي الصُّدُورُ و لسنا مع ذلك نامن من حوادث الأمور و بغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي، فان تعجل بي امر كنت قد كفيت مئونة ما اغتممت له، و سترت قبح ما اردت اظهاره، و ان بقيت بعدك لم تكن اوغرت صدري، و قطعت رحمي، و لا اظهرت أعدائي في اتباع اثرك، و قبول ادبك، و عمل بمثالك.
و ذكرت ان الأمور كلها بيد الله، هو مدبرها و مقدرها و مصدرها عن مشيئته، فقد صدقت، ان الأمور بيد الله، و قد حق على من عرف ذلك و وصفه العمل به و الانتهاء اليه و اعلم انا لسنا جررنا الى أنفسنا نفعا، و لا دفعنا عنها ضرا، و لا نلنا الذى عرفته بحولنا و لا قوتنا، و لو وكلنا في ذلك الى أنفسنا و اهوائنا لضعفت قوتنا، و عجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا، و لكن الله إذا اراد عزما لانفاذ امره، و انجاز وعده، و اتمام عهده، و تاكيد عقده، احكم ابرامه، و ابرم احكامه، و نور اعلانه، و ثبت أركانه، حين اسس بنيانه، فلا يستطيع العباد تاخير ما عجل، و لا تعجيل ما اخر، غير ان الشيطان عدو مضل مبين، قد حذر الله طاعته، و بين عداوته، ينزع بين ولاه الحق و اهل طاعته، ليفرق جمعهم، و يشتت شملهم، و يوقع العداوة و البغضاء بينهم، و يتبرأ منهم عند حقائق الأمور، و مضايق البلايا، و قد قال الله عز و جل في كتابه: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» و وصف الذين اتقوا فقال: «إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ»، فاعيذ امير المؤمنين بالله من ان يكون نيته و ضمير سريرته