الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٥ - ٢٢٣٣- حكاية فرخ الحجّام
و كان قاطع الشهادة، و لم يكن أحد من مواليه يطمع أن يشهده إلاّ على شيء لا يختلف فيه الفقهاء. و هو الذي ذكره أبو فرعون فقال [١] : [من الرجز]
خلّوا الطّريق زوجتي أمامي # أنا حميم فرج الحجّام
و كان أهل المربد يقولون: لا نرى الإنصاف إلا في حانوت فرج الحجّام، لأنّه كان لا يلتفت إلى من أعطاه الكثير دون من أعطاه القليل، و يقدّم الأوّل ثم الثاني ثم الثالث أبدا حتى يأتي على آخرهم، على ذلك يأتيه من يأتيه، فكان المؤخّر لا يغضب و لا يشكو.
و قال ابن مقروم الضّبي [٢] : [من الكامل]
و إذا تعلّل بالسّياط جيادنا # أعطاك نائله و لم يتعلّل [٣]
فدعوا نزال فكنت أوّل نازل # و علام أركبه إذا لم أنزل
و لقد أفدت المال من جمع امرئ # و ظلفت نفسي عن لئيم المأكل [٤]
و دخلت أبنية الملوك عليهم # و لشرّ قول المرء ما لم يفعل
و شهدت معركة الفيول و حولها # أبناء فارس بيضها كالأعبل [٥]
متسربلي حلق الحديد كأنّهم # جرب مقارفة عنيّة مهمل [٦]
تم المصحف السابع من كتاب الحيوان، و بتمامه تم الكتاب، و الحمد للّه على حسن الختام. و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه الكرام.
[١] البيت لأبي فرعون في رسائل الجاحظ ١/١٨٢.
[٢] ديوان ربيعة بن مقروم ٢٦٩-٢٧٠، و الأغاني ٢٢/١٠٢-١٠٤، و معجم البلدان (أسنمة) ، و الخزانة ٣/٥٦٥-٥٦٦.
[٣] علّ: ضرب و تابع الضرب. النائل: العطايا، و يريد بها ما عنده من ركض، أي لم تطلب علالته بالضرب.
[٤] ظلفت: كففت و منعت.
[٥] معركة الفيول: أراد الوقعة التي كانت في عقب القادسية، و كانت العجم جاءت بالفيول فيها.
الأعبل: حجارة بيض، شبّه البيض بها.
[٦] المقارف: المخالطة، و لا تكون إلا في الأشياء الدنية. العنية: أبوال الإبل يؤخذ معها أخلاط فتخلط ثم تحبس زمانا في الشمس؛ ثم تعالج بها الإبل الجربى.