الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨ - ١٩٩٦- لذة الحيوان و شهوته
العقاب» [١] و أسمع من كذا، و أسمع من كذا. و لكنّا نقصد إلى الصّغير الحقير في اسمه و خطره؛ و القليل في جسمه و في قدره.
و تقول العرب: «أسمع من قراد» [٢] ، و يستدلون بالقردان التي تكون حول الماء و البئر. فإذا كان ليلة ورود القرب [٣] ، و قد بعث القوم من يصلح لإبلهم الأرشية و أداة السقي، و باتت الرجال عند الماء تنتظر مجيء الإبل، فإنها تعرف قربها منهم في جوف الليل بانتفاش القردان و سرعة حركتها و خشخشتها، و مرورها نحو الرعاء، و زجر الرعاء، و وقع الأخفاف على الأرض، من غير أن يحسّ أولئك الرجال حسّا أو يشعروا بشيء من أمرها. فإذا استدلوا بذلك من القردان نهضوا فتلبّبوا و اتزروا [٤] و تهيئوا للعمل.
١٩٩٥-[البصر عند الحيوان]
فأمّا إدراك البصر فقد قالوا: «أبصر من غراب» [٥] و: «أبصر من فرس» [٦] ؛ و:
«أبصر من هدهد» [٧] و: «أبصر من عقاب» [٨] .
و السّنانير و الفأر و الجرذان و السّباع تبصر بالليل كما تبصر بالنهار؛ فأمّا الطّعم فيظن أنها بفرط الشّره و الشّهوة و بفرط الاستمراء و بفرط الحرص و النّهم، أن لذتها تكون على قدر شرهها و شهوتها، تكون على قدر ما ترى من حركتها، و ظاهر حرصها.
١٩٩٦-[لذة الحيوان و شهوته]
و نحن قد نرى الحمار إذا عاين الأتان، و الفرس إذا عاين الحجر و الرمكة، و البغل و البغلة، و التيس و العنز فنظن أن اللذة على قدر الشهوة، و الشهوة على قدر الحركة، و أن الصّياح على قدر غلبة الإرادة.
[١] مجمع الأمثال ١/٣٥٥.
[٢] مجمع الأمثال ١/٣٤٩، و جمهرة الأمثال ١/٥٣١، و فصل المقال ٤٩٢، و المستقصى ١/١٧٣.
[٣] القرب: أن يسيم القوم إبلهم و هم في ذلك يسيرون نحو الماء، فإذا بقيت بينهم و بين الماء عشية عجلوا نحوه؛ فتلك الليلة ليلة القرب.
[٤] التلبب: التخرم بالثوب عند الصدر. و الاتزار: لبس الإزار.
[٥] مجمع الأمثال ١/١١٥، و جمهرة الأمثال ١/٢٤٠.
[٦] جمهرة الأمثال ١/٢٣٩، و المستقصى ١/٢٢.
[٧] جمهرة الأمثال ١/٢٤٠.
[٨] مجمع الأمثال ١/١١٥، و المستقصى ١/٢١.