الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥ - القول في إحساس أجناس الحيوان
التي لا تعرف حقائقها إلا بالفكرة، و غشّاها من العلامات التي لا تنال منافعها إلا بالعبرة، و كيف فرّق فيها من الحكم العجيبة، و الأحساس الدقيقة، و الصنعة اللطيفة، و ما ألهمها من المعرفة و حشاها [١] من الجبن و الجرأة، و بصّرها بما يقيتها و يعيشها، و أشعرها من الفطنة لما يحاول منها عدوّها، ليكون ذلك سببا للحذر، و يكون حذرها سببا للحراسة، و حراستها سببا للسلامة، حتى تجاوزت في ذلك مقدار حراسة المجرّب من الناس، و الخائف المطلوب من أهل الاستطاعة و الرويّة، كالذي يروى من تحارس الغرانيق و الكراكي، و أشكال من ذلك كثيرة، حتى صار الناس لا يضربون المثل إلا بها، و لا يذمّون و لا يمدحون إلا بما يجدون في أصناف الوحش من الطّير و غير ذلك، فقالوا: أحذر من عقعق، و أحذر من غراب، و أحذر من عصفور، و أسمع من فرخ العقاب، و أسمع من قراد، و أسمع من فرس، و أجبن من صفرد، و أسخى من لافظة، و أصنع من تنوّط، و أصنع من سرفة، و أصنع من دبر، و أهدى من قطاة، و أهدى من حمام، و أهدى من جمل، و أزهى من غراب، و أزهى من ذباب، و أجرأ من اللّيث، و أكسب من الذّئب، و أخدع من ضبّ، و أروغ من ثعلب، و أعقّ من ضبّ، و أبرّ من هرّة، و أسرع من سمع، و أظلم من حيّة، و أظلم من ورل، و أكذب من فاختة، و أصدق من قطاة، و أموق من رخمة، و أحزم من فرخ العقاب.
و نبّهنا تعالى و عزّ على هذه المناسبة، و على هذه المشاركة، و امتحن ما عندنا بتقديمها علينا في بعض الأمور، و تقديمنا عليها في أكثر الأمور و أراد بذلك ألاّ يخلينا من حجة، و من النّظر إلى عبرة، و إلى ما يعود عند الفكرة موعظة. و كما كره لنا من السهو و الإغفال، و من البطالة و الإهمال، في كلّ أحوالنا لا تفتح أبصارنا إلا و هي واقعة على ضرب من الدلالة، و على شكل من أشكال البرهانات، و جعل ظاهر ما فيها من الآيات داعيا إلى التفكير فيها، و جعل ما استخزنها من أصناف الأعاجيب يعرف بالتكشيف عنها، فمنها ظاهر يدعوك إلى نفسه، و يشير إلى ما فيه، و منها باطن يزيدك بالأمور ثقة إذا أفضيت إلى حقيقته، لتعلم أنّك مع فضيلة عقلك، و تصرّف استطاعتك إذا ظهر عجزك عن عمل ما هو أعجز منك-أنّ الذي فضّلك عليه بالاستطاعة و المنطق، هو الذي فضّله عليك بضروب أخر، و أنكما ميسّران لما خلقتما له، و مصرّفان لما سخّرتما له، و أن الذي يعجز عن صنعة السّرفة، و عن تدبير العنكبوت في قلتهما و مهانتهما و ضعفهما و صغر جرمهما، لا ينبغي أن يتكبّر في الأرض و لا يمشي الخيلاء، و لا يتهكّم في القول، و لا يتألّى و لا يستأمر. و ليعلم أنّ
[١] حشاها: ملأها.