الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤ - القول في إحساس أجناس الحيوان
المرجئ، و لا في تفضيل عليّ فينصب له العثمانيّ، و لا هو في تصويب الحكمين، فيتسخّطه الخارجيّ، و لا هو في تقديم الاستطاعة فيعارضه من يخالف التقديم، و لا هو في تثبيت الأعراض فيخالفه صاحب الأجسام، و لا هو في تفضيل البصرة على الكوفة، و مكة على المدينة، و الشّام على الجزيرة. و لا في تفضيل العجم على العرب، و عدنان على قحطان، و عمرو على واصل فيردّ بذلك الهذيلي على النّظامي، و لا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة؛ و لا هو في تفضيل امرئ القيس على النّابغة، و عامر ابن الطفيل على عمرو بن معد يكرب، و عباد بن الحصين على عبيد اللّه بن الحرّ، و لا في تفضيل ابن سريج على الغريض، و لا في تفضيل سيبويه على الكسائيّ، و لا في تفضيل الجعفريّ على العقيليّ، و لا في تفضيل حلم الأحنف على حلم معاوية، و تفضيل قتادة على الزّهري، فإنّ لكلّ صنف من هذه الأصناف شيعة، و لكلّ رجل من هؤلاء الرجال جند، و عددا يخاصمون عنهم. و سفهاؤهم المتسرعون منهم كثير، و علماؤهم قليل، و أنصاف علمائهم أقلّ.
و لا تنكر هذا-حفظك اللّه-أنا رأيت رجلين بالبصرة على باب مويس بن عمران، تنازعا في العنب النّيروزيّ و الرازقيّ، فجرى بينهما اللعين حتى تواثبا، فقطع الكوفيّ إصبع البصريّ، و فقأ البصريّ عين الكوفيّ، ثم لم ألبث إلاّ يسيرا حتى رأيتهما متصافيين متنادمين لم يقعا قطّ على مقدار ما يغضب من مقدار ما يرضي، فكيف يقعان على مقادير طبقات الغضب و الرضا؟!و اللّه المستعان.
و قد ترك هذا الجمهور الأكبر، و السّواد الأعظم، التوقف عند الشبهة، و التثبّت عند الحكومة جانبا، و أضربوا عنه صفحا، فليس إلاّ لا أو نعم. إلاّ أنّ قولهم «لا» موصول منهم بالغضب، و قولهم «نعم» موصول منهم بالرّضا. و قد عزلت الحرّيّة جانبا، و مات ذكر الحلال و الحرام، و رفض ذكر القبيح و الحسن.
قال عمرو بن الحارث: «كنّا نبغض من الرّجال ذا الرياء و النّفخ، و نحن اليوم نتمنّاهما» .
قد كتبنا من كتاب الحيوان ستّة أجزاء، و هذا الكتاب السابع هو الذي ذكرنا فيه الفيل بما حضرنا من جملة القول في شأنه، و في جملة أسبابه، و اللّه الموفق.
و إنما اعتمدنا في هذه الكتب على الإخبار عمّا في أجناس الحيوان من الحجج المتظاهرة، و على الأدلة المترادفة، و على التنبيه على ما جلّلها [١] اللّه تعالى من البرهانات
[١] جللها: كساها.